
مصباح العلي
مستشار وزير الإعلام السابق
يأتي مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان في لحظة مفصلية يعيش فيها القطاع الإعلامي تحولات جذرية فرضتها الثورة الرقمية، وتبدل أنماط الإنتاج الصحافي، وانتقال الجمهور من الإعلام التقليدي إلى المنصات الإلكترونية. لذلك فإن مجرد طرح مشروع جديد بعد عقود من العمل بقوانين تجاوزها الزمن يعد خطوة تستحق النقاش، إلا أن قيمة أي قانون لا تقاس فقط بما يتضمنه من نصوص، بل بقدرته على تكريس حرية الإعلام واستقلاليته، ومواكبة التطور العالمي.
يتضمن المشروع مجموعة من الإصلاحات التي يمكن البناء عليها، وفي مقدمتها إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، ومنع التوقيف الاحتياطي للصحافيين في قضايا الرأي، وإخضاع النزاعات الإعلامية لقضاء مدني متخصص، إضافة إلى تنظيم الإعلام الإلكتروني للمرة الأولى ضمن إطار قانوني واضح. وهي خطوات تنسجم مع الاتجاهات الحديثة التي تعتبر حرية التعبير إحدى الركائز الأساسية للديمقراطية.
غير أن هذه الإيجابيات لا تلغي وجود ثغرات جوهرية تستوجب إعادة النظر في عدد من المواد قبل إقرار القانون بصورة نهائية. فالمشروع لا يزال يستخدم عبارات فضفاضة مثل «المصلحة العامة» و»خطاب الكراهية» من دون تعريفات قانونية دقيقة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة تسمح باستخدام النصوص بصورة انتقائية تبعاً للظروف السياسية أو القضائية.
كما أن تنظيم الإعلام الرقمي، رغم ضرورته، يجب ألا يتحول إلى وسيلة لفرض قيود إدارية أو قانونية تحد من حرية إنشاء المؤسسات الإعلامية الإلكترونية، لأن فلسفة الإعلام الرقمي تقوم أساساً على سهولة الوصول إلى الفضاء الإعلامي، وليس على إعادة إنتاج منظومة التراخيص والقيود التي حكمت الإعلام التقليدي لعقود.
ومن أبرز الملاحظات التي تستحق التوقف عندها أن لبنان لا يزال من الدول النادرة في العالم التي تجمع بين وجود وزارة للإعلام ومحكمة خاصة بالمطبوعات في الوقت نفسه. ففي معظم الديمقراطيات الحديثة، انتقلت الدولة من مفهوم الوصاية على الإعلام إلى مفهوم التنظيم المستقل، عبر هيئات ناظمة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، بينما تراجعت الوزارات التقليدية أو تغيرت وظائفها بصورة جذرية. أما الإبقاء على وزارة إعلام بصيغتها التقليدية، إلى جانب محكمة متخصصة بالمطبوعات، فيعكس استمرار فلسفة تعتبر الإعلام قطاعاً يحتاج إلى الرقابة والإشراف المباشر، بدلاً من اعتباره سلطة مجتمعية مستقلة. وهذا الواقع يجعل لبنان متأخراً عملياً عن مسار تحديث البيئة الإعلامية مقارنة بالعديد من الدول التي سبقت إلى إصلاح تشريعاتها ومؤسساتها.
ولا يمكن فصل النقاش القانوني عن الواقع السياسي اللبناني. فمن وجهة نظر العديد من المراقبين، لم تُبدِ الطبقة السياسية، على امتداد السنوات الماضية، حماسة حقيقية لإقرار قانون إعلام عصري يواكب التطورات العالمية. ويذهب هذا الرأي إلى أن الإبقاء على منظومة قانونية قديمة يمنح القوى السياسية هامشاً أوسع للتأثير في المؤسسات الإعلامية وممارسة أشكال مختلفة من الضغط السياسي أو الإداري أو القضائي عند الحاجة. لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يحد من قدرة السلطة التنفيذية والسياسية على التدخل في الشأن الإعلامي، وأن يعزز استقلالية المؤسسات الناظمة والقضاء المختص.
وفي المقابل، يغيب عن المشروع بعد آخر لا يقل أهمية، وهو الأزمة الاقتصادية التي تضرب المؤسسات الإعلامية اللبنانية. فحرية الصحافة لا تتحقق بالنصوص القانونية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى بيئة اقتصادية تضمن استمرارية المؤسسات الإعلامية وتحمي الصحافيين من الضغوط المالية والسياسية. لذلك، فإن أي قانون حديث يجب أن يتضمن آليات واضحة لتعزيز الشفافية في ملكية وسائل الإعلام، وتنظيم مصادر التمويل، وضمان الحقوق الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع.
إن الإعلام لم يعد مجرد صحيفة أو محطة تلفزيونية أو إذاعة، بل أصبح منظومة رقمية متكاملة تتداخل فيها المنصات الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى. ومن هنا، فإن التشريع الحديث ينبغي أن يكون مرناً وقابلاً للتطوير، لا أن يتحول إلى نص جامد يحتاج إلى تعديل كل بضع سنوات.
إن مشروع قانون الإعلام الجديد يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والإعلام على أسس حديثة، لكنه لن يحقق أهدافه إذا بقي أسير العقلية التقليدية التي ترى في الإعلام قطاعاً ينبغي ضبطه أكثر من كونه شريكاً في بناء الحياة الديمقراطية. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإقرار قانون يضمن الحرية، ويكرس الاستقلالية، ويؤسس لهيئة ناظمة مستقلة بعيداً عن المحاصصة السياسية، ويضع لبنان على سكة التشريعات الإعلامية الحديثة التي تواكب القرن الحادي والعشرين، بدلاً من الإبقاء على منظومة قانونية ومؤسساتية لم تعد تنسجم مع طبيعة الإعلام المعاصر.
