صفحات ميديا – قسم الدراسات
لطالما اعتُبر الأردن، وبخاصة النظام الهاشمي، طرفًا محوريًا في القضية الفلسطينية. فمنذ إعلان تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946، لعب الهاشميون دوراً مركزياً في إدارة شؤون المقدسات الإسلامية في القدس، خصوصاً المسجد الأقصى، وهو ما منحهم شرعية دينية وشعبية كبيرة في العالم الإسلامي. لكن هذا الدور ما لبث أن تحول، في نظر الكثير من المراقبين، من “حارس للمقدسات” إلى “شريك في المشروع الصهيوني”، من خلال اتفاقيات أمنية وسياسية وثيقة مع إسرائيل، أبرزها اتفاقية وادي عربة عام 1994.
- الجذور التاريخية للعلاقة مع المشروع الصهيوني
دور بريطانيا في إنشاء الإمارة الهاشمية
بعد سقوط الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى، وقعت فلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني. وكان تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 بتنسيق بريطاني مباشر مع الأمير عبد الله بن الحسين، الذي قُدم له هذا الكيان كتعويض عن فشل مشروع “المملكة العربية” في الحجاز والشام.
بموجب اتفاقات “سايكس – بيكو” ووعد بلفور، كانت بريطانيا تدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لكنها حافظت على علاقات وثيقة مع الأمير عبد الله الذي كانت لديه طموحات في الحكم على فلسطين. وثمة وثائق، منها مذكرات القادة البريطانيين مثل تشرشل ولورانس العرب، تؤكد أن الأمير عبد الله لم يعارض صراحةً المشروع الصهيوني، بل سعى إلى تنسيق سياسي يحافظ على مصالحه وسلطته.
لقاءات الأمير عبد الله مع الحركة الصهيونية
في الثلاثينات والأربعينات، تشير وثائق عدة إلى لقاءات سرية بين الأمير عبد الله وقادة الوكالة اليهودية، مثل حاييم وايزمان، حيث تم طرح أفكار حول “تقسيم فلسطين” و”الاعتراف بحكم هاشمي في الضفة الشرقية مقابل عدم اعتراض على إقامة دولة يهودية في فلسطين الغربية”.
- الجيش الأردني ونكبة 1948: أسطورة الدفاع التي سقطت
لعب الجيش العربي الأردني دورًا رئيسيًا في حرب 1948، لكنه كان يخضع عمليًا للقيادة البريطانية من خلال الجنرال جون غلوب (غلوب باشا)، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى “التواطؤ” في تسليم المناطق الفلسطينية إلى العصابات الصهيونية.
الوثائق الإسرائيلية والبريطانية (راجع أرشيف وزارة الدفاع البريطانية) تؤكد وجود اتفاق أردني-إسرائيلي غير معلن على أن لا تدخل القوات الأردنية إلى مناطق مخصصة لليهود حسب خطة التقسيم.
نتيجة ذلك، سقطت مناطق واسعة من فلسطين، بينما حافظت الأردن على الضفة الغربية فقط، وضمتها لاحقًا عام 1950 في خطوة رفضها الفلسطينيون والجامعة العربية.
- اتفاق وادي عربة: التتويج الرسمي للتحول
في عام 1994، وقّعت الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل تُعرف بـ”اتفاقية وادي عربة”، والتي نصّت على:
اعتراف متبادل بين الطرفين.
تنسيق أمني مشترك على الحدود.
تعاون اقتصادي ومائي.
تنظيم شؤون المقدسات في القدس، بما يعترف بإشراف الأردن الإداري على المسجد الأقصى.
ورغم أن النظام الأردني يعتبر الوصاية على الأقصى مصدر فخر وشرعية، إلا أن ممارساته على الأرض، بحسب باحثين عرب، لا تدل على أي دفاع جدي عن القدس أو التصدي للمشاريع التهويدية.
- الدور الأمني: الأردن كـ”وسيط أمني” لإسرائيل
في السنوات الأخيرة، تطور التنسيق الأمني بين الأردن وإسرائيل ليشمل:
منع العمليات الفدائية عبر الحدود.
تسليم مطلوبين فلسطينيين.
قمع نشاطات المقاومة داخل المخيمات.
حماية المستوطنين والسياح الإسرائيليين.
وقد وصف الكاتب والباحث مطيع البطاينة في عدة مقالات أن الأردن تحول إلى “بوابة خلفية آمنة” لإسرائيل، بينما يُمنع على الشعب الأردني دعم المقاومة الفلسطينية بحجة الالتزام بالمعاهدات الدولية.
- صمت رسمي عن التهويد وتهجير المقدسيين
رغم الاعتداءات اليومية على الأقصى وحي الشيخ جراح وسلوان وغيرها، لم تتجاوز ردود الأردن بيانات استنكار خجولة. وقد فشل النظام الأردني في اتخاذ أي إجراء قانوني دولي فاعل، كما لم يسحب سفيره أو يطرد السفير الإسرائيلي، رغم سقوط شهداء فلسطينيين يومياً.
خاتمة: خيانة متوارثة أم براغماتية سياسية؟
يرى كثير من المفكرين العرب أن الدور الأردني في فلسطين تحول من “شرعي ديني” إلى “أمني وظيفي” لصالح إسرائيل، خاصة بعد اتفاق وادي عربة. هذا التحول لم يكن لحظة خيانة مفاجئة، بل هو امتداد منطقي لسلسلة من التنازلات والتواطؤات بدأت منذ نشأة الكيان الأردني بإرادة استعمارية بريطانية، مروراً بحرب 1948، ووصولاً إلى التطبيع الكامل مع العدو الصهيوني.
إن هذا المسار السياسي لا يمثل الشعب الأردني، الذي لطالما وقف مع القضية الفلسطينية، بل هو سياسة ملوكية متوارثة تُراعي مصالح العرش قبل مصالح الأمة.
المراجع:
الوثائق البريطانية حول الشرق الأوسط (The British National Archives).
مذكرات الجنرال جون غلوب باشا.
كتاب “أكاذيب كبرى عن الأردن وفلسطين” – سفيان التل.
مقابلات وتحليلات الباحث الأردني مطيع البطاينة.
دراسات صادرة عن “مركز الزيتونة للدراسات”.
أرشيف صحيفة “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” حول العلاقات الأردنية الإسرائيلية.
اتفاقية وادي عربة – نصوص رسمية منشورة على موقع الحكومة الأردنية.
