علاء الخوري- ليبانون فايلز
ثمة لحظات في السياسة لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، بل تُفهم فقط حين تُوضع خيوط التباينات على الطاولة. والزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، ولقاؤه برئيس مجلس النواب نبيه بري، ليست حدثًا عابرًا في المشهد الدبلوماسي، بل هي، بحسب ما تكشفه معطيات متقاطعة، حلقة في مسار أوسع بكثير مما يبدو في العلن.
فالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي بات لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة الجديدة، يبدو اليوم منخرطًا في مسعى دقيق يهدف إلى تحريك ملف حزب الله من زاوية مختلفة تمامًا عمّا يُروَّج له إعلاميًا. فعوض الحديث عن مواجهة أو تصعيد، تشير المعطيات إلى أن الشرع يعمل، بدعم وضغط من تركيا وقطر، على إيجاد مبادرة تفتح الباب أمام حوار فعلي بين السلطة اللبنانية وحزب الله، بعيدًا عن السيناريوهات التي تروّج لها أطراف أخرى في المنطقة.
اللافت في هذا التحرك أنه يحمل بصمة تركية قطرية واضحة، تسعى من خلاله أنقرة والدوحة إلى احتواء حزب الله بدل الدفع نحو مواجهة مفتوحة معه، في مقاربة تتقاطع مع حسابات إقليمية أوسع، أبرزها الرغبة التركية في الحدّ من التمدد الإسرائيلي في المنطقة. وهذا التوجه، وفق ما يرشح من معلومات، دفع أنقرة والدوحة إلى الضغط على الشرع لضمان دخوله إلى الملف اللبناني من البوابة الصحيحة، أي من عين التينة، حيث يُختصر الثقل السياسي والتمثيل الشيعي في لبنان برئيس مجلس النواب نبيه بري. وهنا بالتحديد يكمن جوهر زيارة الشيباني ومحورها الفعلي، بعيدًا عن القراءات السطحية التي حاولت تصويرها كزيارة بروتوكولية.
في موازاة هذا المسار الإقليمي، تبرز معطيات تشير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يُخفي رغبته في إبرام تفاهم مع حزب الله، على غرار المقاربة التي اعتمدها سابقًا مع إيران، أي صفقة تقوم على مبدأ التفاوض مقابل ضمانات، شرط أن يُترجم ذلك بضمان استمرار الوجود الأميركي في المنطقة. وهذا الطرح، يتقاطع فعليًا مع الحسابات التركية الساعية بدورها إلى تحجيم التمدد الإسرائيلي، ما يجعل من مسار “الاحتواء” خيارًا مشتركًا بين لاعبين لا يلتقيان غالبًا على طاولة واحدة.
من هنا، فإن الدخول السوري على خط الملف اللبناني يأتي، بحسب أوساط دبلوماسية مطلعة، في اتجاه معاكس تمامًا لما يُروَّج له من سيناريوهات تدخل عسكري قد يُطيح بالاستقرار اللبناني. فالمسار الذي يتبناه الشرع، بدعم تركي قطري، هو مسار احتوائي بامتياز، يراهن على الحوار السياسي لا على المواجهة الأمنية.
لكن هذا المشهد، رغم واقعيته، لا يخلو من مخاوف جدية تُبديها مصادر نيابية، ترى في تنامي نشاط تنظيم داعش وفلوله في سوريا مؤشرًا مقلقًا قد يُستنسخ منه سيناريو شبيه بما جرى عام 1976، حين شكّل وجود جيش التحرير الفلسطيني ذريعة لدخول الجيش السوري بقيادة حافظ الأسد إلى لبنان. فاليوم، وفي ظل وضع أمني سوري لا يزال هشًا وغير منضبط بالكامل، تتجدد هذه المخاوف، خصوصًا بعد التفجير الأخير الذي بدا أنه يحمل رسائل واضحة إلى الخارج، مفادها أن فلول داعش لا تزال قادرة على الحركة والتأثير، وأن استهداف الرئيس الفرنسي كان في صلب الرسالة المقصودة من العملية.
ويأتي في السياق ذاته إعلان وزارة الداخلية السورية عن توقيف من وُصف بـ”والي لبنان وفلسطين” في تنظيم داعش، في مؤشر إضافي يكشف حجم التحرك الذي يقوم به التنظيم في الخفاء، ويعزز حالة القلق من أن يتحول الملف الأمني السوري إلى بوابة جديدة للتدخل في الشأن اللبناني، تمامًا كما حصل قبل نحو خمسة عقود.
ما يُستشف من مجمل هذه المعطيات أن الملف اللبناني بات اليوم ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، بين مسعى سوري تركي قطري يريد احتواء حزب الله عبر الحوار، ورغبة أميركية بصفقة سياسية تحفظ النفوذ الأميركي، ومخاوف لبنانية داخلية من تكرار تجارب أمنية مؤلمة سبق أن عاشها لبنان. وبين هذه المسارات المتوازية، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح المبادرة السورية التركية القطرية في إبقاء الحل ضمن الإطار السياسي، أم أن المشهد الأمني المتفلت في سوريا قد يفرض معطيات جديدة تُعيد خلط الأوراق من جديد؟
