بقلم: غسان حلواني*
إذا كان للبنان أن ينهض من كبوته الاقتصادية، فإن نقطة البداية لن تكون من بيروت وحدها، بل من طرابلس، عاصمة الشمال التي ظلت لعقود رهينة التهميش السياسي والوصاية الخارجية. لم تكن طرابلس مهمشة بالصدفة. فمنذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، خضعت المدينة لسياسة إقصاء ممنهجة. فالسُّنّة الذين يشكلون غالبية سكان الشمال عانوا كثيراً تحت الاحتلال السوري. ولم يقتصر الأمر على البعد الأمني، بل امتد إلى حرمان المدينة من الاستثمارات والخدمات العامة والتعليم وفرص العمل، مقارنة بما حظيت به العاصمة.
وبعد انسحاب الجيش السوري، واصل القرار السياسي المركزي في بيروت سياسة الإهمال، فتحولت طرابلس إلى «شاهد على فشل السياسات المركزية، وعلى عقود من الإنفاق العشوائي والتوظيف الزبائني وانعدام التخطيط». هكذا أصبحت المدينة التي تزخر بالثروات والموقع الاستراتيجي «الأفقر على شاطئ المتوسط»، بينما يغادر أبناؤها على «عبّارات الموت» بحثاً عن حياة كريمة.
لكن طرابلس لم تفقد يوماً عناصر قوتها. فهي ثاني أكبر مدن لبنان، وتضم مرفأً يستقبل نحو 900 سفينة سنوياً محمّلة بالأخشاب والحديد والحبوب وغيرها من السلع والبضائع. والأهم أن موقعها الاستراتيجي -على بعد 35 كيلومتراً فقط من الحدود السورية- يجعلها بوابة طبيعية لإعادة إعمار سوريا التي تُقدّر تكاليفها بـ200 مليار دولار.
اليوم، في نية وزارة الأشغال العامة انجاز أربعة مشاريع كبرى في المرفأ: صوامع للحبوب تحوّله إلى مركز إقليمي لاستيراد القمح، ورصيف عائم لإصلاح السفن، وتوسعة ساحات الحاويات، وتحديث مناطق الجمارك. أما مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، فقد أُنجزت دراسته الاقتصادية وأصبح ينتظر خطوات التنفيذ. وفي طرابلس بعد من مكامن القوة ما لا يستطيع احتوائه هذا المقال .
طرابلس تملك إمكانات هائلة لتصبح نموذجاً اقتصادياً وهذا الرهان ليس ضرباً من الخيال، فالصين أبدت اهتماماً واضحاً بجعل ميناء طرابلس مركزاً محورياً لاستثماراتها في إعادة بناء سوريا.
إن نهضة طرابلس ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية للبنان. فالشمال،هو درب الإنقاذ الاقتصادي للبنان، ولا يمكن بناء اقتصاد منتج والتعافي من الانهيار من دونه». إن إعادة توزيع الثروة والتنمية، وكسر احتكار بيروت للقرار والاستثمار، وكسر عقود التهميش التي أطاحت بالمدينة – كلها مفاتيح لإنقاذ وطن يغرق في أزماته.
*رئيس التحرير
