ميرا جزيني- الحدث

‎تشكل الجولة السادسة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية، المقررة في روما يومي 15 و16 تموز برعاية أميركية، محطة اختبار جديدة لمسار التفاهمات الذي انطلق بعد الاتفاق الإطاري في واشنطن. إلا أن أهمية هذه الجولة لا تكمن فقط في انعقادها، بل في الشروط التي يضعها كل طرف قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً من التفاوض، مما يعكس أن المسار لا يزال محكوماً بمنطق الخطوات المتبادلة لا التسويات الشاملة.
‎يسعى لبنان إلى تثبيت قاعدة سياسية جديدة مفادها أن أي تفاوض لاحق يجب أن يسبقه تقدّم ميداني ملموس، يتمثل بانسحاب الجيش الإسرائيلي من أجزاء من الأراضي اللبنانية التي لا يزال ينتشر فيها. وتعتبر بيروت أن الاكتفاء بوعود سياسية أو بتفاهمات عامة لم يعد كافياً، بعدما أظهرت الأشهر الماضية أن غياب الجداول الزمنية الواضحة يسمح بإطالة أمد الوقائع العسكرية على الأرض.
‎من هذا المنطلق، يتّجه لبنان إلى التعامل مع اجتماع روما بوصفه منصة لتثبيت مبدأ الانسحاب التدريجي المقرون بمواعيد محددة، وليس مجرد مناسبة لاستئناف الحوار. فالهدف اللبناني يتمثل في تحويل الالتزامات السياسية إلى إجراءات تنفيذية قابلة للقياس، بما يمنع تحول أي انتشار عسكري إسرائيلي إلى أمر واقع دائم.
‎في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر ميلاً إلى الفصل بين الملفين الأمني والسياسي، إذ تفضل استكمال النقاش حول الترتيبات الأمنية والضمانات قبل تقديم أي التزام نهائي بالانسحاب الكامل.
‎يعكس هذا التباين استمرار الفجوة بين أولويات الطرفين، حيث يربط لبنان أي تقدم سياسي بإنهاء الاحتلال، فيما تربط إسرائيل الانسحاب بالحصول على ترتيبات تعتبرها كفيلة بمنع تكرار المواجهات.
‎يكتسب الدور الأميركي أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، إذ لا يقتصر على إدارة الحوار، بل يمتدّ إلى محاولة ردم الهوة بين المواقف، خصوصاً أن واشنطن تنظر إلى استقرار الجبهة اللبنانية باعتباره جزءاً من مقاربة أوسع لخفض التوتر الإقليمي. لذلك، من المتوقع أن تمارس ضغوطاً على الطرفين لتجنب انهيار المسار الذي بدأ بعد اتفاق واشنطن، ولو من خلال تفاهمات مرحلية تؤجل القضايا الأكثر تعقيداً.
‎في المقابل، يحرص لبنان على التأكيد أن الوفد الذي سيشارك في روما سيكون ذا طابع سياسي وديبلوماسي، وليس وفداً عسكرياً أو تقنياً. ويهدف هذا الخيار إلى تكريس الطابع السياسي للمفاوضات، وإبراز أن البحث يتركز على تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق الإطاري، وليس على فتح باب تفاوض جديد حول ملفات أمنية تتجاوز ما سبق الاتفاق عليه.
‎بذلك لن يُقاس نجاح جولة روما بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها، بل بقدرتها على إنتاج التزام عملي يحدد مسار الانسحاب الإسرائيلي. أما إذا بقيت المباحثات محصورة في تبادل المواقف من دون خطوات تنفيذية، فإنها ستتحوّل إلى محطة إضافية في مسار تفاوضي طويل، من دون أن تنجح في إحداث اختراق فعلي على الأرض أو في تثبيت أسس مرحلة أكثر استقراراً.







Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *