خاص – صفحات ميديا

كتب المحرر السياسي

صفحات ميديا- في خضم أزمات سياسية واقتصادية خانقة يعيشها لبنان، عاد ملف سلاح “حزب الله” إلى الواجهة، مدفوعًا هذه المرة بضغوط دولية غير مسبوقة. فقد كشفت مصادر دبلوماسية عن أن الولايات المتحدة الأمريكية منحت الدولة اللبنانية مهلة زمنية محدودة – غير معلنة رسميًا – للبت في مصير سلاح الحزب، في إطار تسوية إقليمية شاملة يجري التفاوض حولها بهدوء في الكواليس.

الشرط الأمريكي: الدولة أم الدويلة
الموقف الأمريكي بات واضحًا: لا مساعدات حقيقية، لا خطة إنقاذ من صندوق النقد، ولا إعادة دمج في النظام المالي الدولي دون حسم قضية “السلاح خارج الشرعية”. في المقابل، تُطرح على الطاولة عروض لـ”تسوية سلمية” تدمج الحزب ضمن الحياة السياسية اللبنانية كـ”حزب معارض شرعي” خالٍ من الجناح العسكري، على غرار النموذج الإيرلندي مع الجيش الجمهوري.

السيناريوهات المطروحة داخليًا: انقسام وطني حاد

البيت اللبناني منقسم بين تيارين رئيسيين:

  • تيار يرحب بتسليم السلاح: على رأسه بعض القوى المسيحية (قوات لبنانية، كتائب، وشخصيات مستقلة)، ويرى في نزع السلاح فرصة تاريخية لإنقاذ الدولة وإعادة ضبط التوازن الداخلي، ولا يُمانع بعضه الانفتاح على التطبيع مع إسرائيل ضمن “سلام إقليمي شامل”.
  • تيار رافض للتخلي عن سلاح المقاومة: يمثله حزب الله والتيار الوطني الحر جزئيًا، ومعهم أطراف سنّية ويسارية تعتبر أن السلاح لا يزال ضرورة استراتيجية طالما أن الاحتلال الإسرائيلي قائم، وطالما أن الجيش اللبناني يعاني من ضعف مزمن وتسليح ناقص.

نظام أحمد الشرع وقطع شريان الحزب الحدودي
منذ تولّيه الحكم، انتهج الرئيس السوري أحمد الشرع سياسة واضحة معادية لحزب الله، مستندًا إلى خلفية من العداء التاريخي بين الطرفين تعود إلى فترة الثورة السورية، حيث شارك الحزب في قمع الانتفاضة الشعبية إلى جانب النظام السابق، ما جعله عدوًا مباشرًا للمعارضة التي أوصلت الشرع إلى السلطة.
في هذا الإطار، لعب النظام السوري الجديد دورًا محوريًا في تفكيك البنية اللوجستية للحزب داخل سوريا، فعمل على قطع طرق الإمداد العسكري والبشري التي كانت تمر من الأراضي السورية إلى البقاع اللبناني، خصوصًا عبر مناطق القلمون، القصير، والزبداني. كما شنّ الجيش السوري حملات عسكرية استهدفت مخازن وممرات تهريب غير شرعية كانت تحت سيطرة الحزب أو ميليشيات موالية لإيران.
وأمام رفض حزب الله الانسحاب من الحدود ووقف عمليات التهريب، اندلعت مناوشات مسلّحة متكررة بين الجيش السوري وعناصر تابعة للحزب، ما رفع التوتر بين الجانبين، خاصة في نقاط تماس غير مرسّمة بين ريف دمشق والهرمل.
النظام السوري بقيادة الشرع يرى في سلاح الحزب تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، ويتبنى موقفًا داعمًا لأي مبادرة دولية تُنهي وجود الميليشيات في لبنان وتعيد للدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، بما في ذلك منع أي استخدام للحدود السورية كعمق استراتيجي غير شرعي.

تدخل سوري في لبنان كما حصل في السويداء؟
إذا ساءت الأوضاع وتعثّرت التسوية اللبنانية، لا يُستبعد أن يتّخذ النظام السوري الجديد خطوة أكثر جرأة، عبر تدخل عسكري محدود ومنسق على الحدود الشرقية اللبنانية، بدعم دولي أو بصمت ضمني، لضرب مراكز تهريب تابعة للحزب. سيناريو مشابه لما حصل في السويداء حين واجهت دمشق الميليشيات المسلحة، قد يتكرر في البقاع، تحت عنوان “محاربة التهريب والإرهاب العابر للحدود”.
هذا التدخل – إن حدث – سيشكّل سابقة في التاريخ السوري اللبناني الحديث، ويعيد ترسيم العلاقة بين الدولتين على أساس من السيادة والحدود الواضحة، وينهي مرحلة الهيمنة الإيرانية التي استخدمت لبنان كجبهة متقدمة في صراعاتها الإقليمية.

إسرائيل: اجتياح عسكري أو استباحة مفتوحة لضرب مخازن الحزب

في حال فشلت الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله ضمن تسوية داخلية، فإن إسرائيل قد تنتقل من الضغط السياسي والدبلوماسي إلى الخيارات العسكرية المفتوحة. وقد تسربت معلومات من دوائر أمنية غربية تفيد بأن تل أبيب أعدّت خططًا ميدانية جاهزة لاجتياح عسكري محدود في الجنوب اللبناني، أو شنّ ضربات جوية وصاروخية واسعة النطاق تمتد حتى البقاع وصيدا والضاحية الجنوبية، بهدف تدمير ما تبقى من مخازن الأسلحة والصواريخ الدقيقة.
وتعتبر إسرائيل أن الفرصة الحالية تاريخية لإضعاف الحزب، في ظل التراجع الإيراني، وتبدّل موقف سوريا، وغياب الغطاء العربي والدولي التقليدي. وفي حال قرر حزب الله التمسك بسلاحه ورفض الانخراط في التسوية، فقد تجد تل أبيب نفسها أمام تفويض دولي ضمني لتوجيه ضربة قاصمة، حتى وإن أدى ذلك إلى استباحة الأجواء اللبنانية وتجاوز الحدود السياسية والإنسانية.
وفي هذا السيناريو، يُتوقع أن تدفع الدولة اللبنانية الثمن الأكبر سياسيًا وشعبيًا، خاصة إذا اختار الحزب الاحتماء بين المدنيين أو فتح جبهة جنوبية مفتوحة قد تعيد لبنان إلى مشهد عام 2006، ولكن بنتائج أكثر دمارًا وخسائر أفدح.

تفكيك السلاح أو انفجار الدولة؟
بين مهلة أمريكية ضاغطة، وانقسام داخلي حاد، واصطفاف إقليمي جديد تقوده سوريا الشرع ضد حزب الله، يبدو أن لبنان يقف على مفرق تاريخي. إما الخضوع لواقع دولة واحدة بجيش واحد، أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تطيح بما تبقى من كيان الدولة.
الأسابيع المقبلة قد تكون الأهم منذ الطائف، فإما بداية حلّ جذري… أو بداية انفراط العقد اللبناني نهائيًا.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *