كتب يعقوب نصرالله

خاص- صفحات ميديا

منذ استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي عام 1943، ظلّت العلاقة بين الجمهورية اللبنانية والجمهورية الفرنسية متميزة ومتجذّرة في التاريخ، قائمة على أسس ثقافية وسياسية وإنسانية. لم تكن اللغة الفرنسية في لبنان مجرد لغة ثانية، بل كانت ولا تزال نافذة حضارية، تعكس الطابع الفرنكوفوني للبلد، وتربطه بفرنسا في شتى المجالات التربوية والثقافية والدبلوماسية.

لقد اعتادت فرنسا أن تكون حاضرة عند كل مفترق طرق في الحياة اللبنانية، داعمة للسيادة والاستقرار، وساعية إلى حماية التوازن الدقيق الذي يقوم عليه الكيان اللبناني المتعدد الطوائف والثقافات. وقد ظلّ الدعم الفرنسي للبنان قائمًا في أصعب اللحظات، سواء من خلال المساعدات الإنسانية، أو المبادرات السياسية، أو الدعم داخل المحافل الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

في فرنسا، لم تكن الجالية اللبنانية مجرد جالية مهاجرة، بل كانت ولا تزال نموذجًا للتفوق والاندماج الناجح، حيث تبوّأ اللبنانيون مناصب مرموقة في ميادين السياسة والاقتصاد والعلوم والفن. وقد أسهموا بدور فعّال في تعزيز جسور التواصل بين البلدين، مع الحفاظ على هويتهم الثقافية والروحية.

وجاءت لحظة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب عام 2020 لتؤكّد عمق العلاقة الفرنسية اللبنانية. فقد سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى زيارة بيروت، ليكون أول زعيم أجنبي يصل إلى موقع الكارثة، ويجول في أحياء المدينة المنكوبة، ويصافح المواطنين المتألمين، في مشهد استثنائي حمل في طياته رسائل سياسية وإنسانية بالغة الدلالة.

ماكرون، الذي عبّر عن حزنه العميق لما جرى، لم يكتفِ بالتضامن العاطفي، بل حمل معه خطة دعم واضحة، ومواقف جريئة، ودعوة صريحة إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية على أساس عقد اجتماعي جديد، ينقذها من أزمتها البنيوية. لقد رأى الرئيس الفرنسي، كما كثيرون في الداخل والخارج، أن انفجار المرفأ كان نتيجة مباشرة لتفكك المؤسسات وغياب المحاسبة، فأطلق مبادرة فرنسية لحشد الدعم الدولي للبنان، وربط المساعدات بالإصلاحات.

فرنسا، في موقفها من قضية مرفأ بيروت، أثبتت مرة جديدة أنها ليست مجرد صديقة للبنان، بل شريكة في مصيره. وقد طالبت باريس مرارًا بتحقيق شفاف ومستقل في الانفجار، ودعت السلطات اللبنانية إلى احترام حقوق الضحايا وأهاليهم، في موقف متقدم قلّما اتخذته عاصمة كبرى تجاه قضية داخلية في دولة أخرى.

تاريخ فرنسا في الدفاع عن لبنان ليس وليد اليوم. فمنذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، إلى مؤتمرات باريس لدعم الاقتصاد اللبناني، وصولًا إلى المبادرة الفرنسية بعد الانفجار، ظلّت باريس تعتبر أن استقرار لبنان ضرورة إقليمية ودولية، وأن دعم اللبنانيين في نضالهم من أجل الحرية والدولة والعدالة واجبٌ أخلاقي وتاريخي.

وها هو لبنان، رغم أزماته العاصفة، ما زال يجد في فرنسا شريكًا وفيًّا، حاضرًا عند كل استحقاق، ثابتًا على التزامه، مؤمنًا بقدرة اللبنانيين على النهوض من جديد، شرط أن يوحّدوا إرادتهم ويعيدوا بناء الثقة بين الدولة والمواطن.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *