مقال قيم لمناسبة حلول عيد الميلاد نشر في مجلة “صفحات” في العدد التاسع إصدار كانون الأول 2012 كتبه الراحل الدكتور مالك خليل مستشار تحرير مجلة “صفحات” آنذاك، ننشره تخليداً لذكرى الكاتب واستذكاراً للقيم الدينية والانسانية والأخلاقية عند المسلمين وعلاقتهم بالميسح وميلاده
صفحات ميديا
بقلم الدكتور مالك خليل* (رحمه الله)
سوف أَدعُ في مقالتي هذه للنصوص أن تتحدّث وتبيّن موقع المسيح في الإسلام وعند المسيحيين وسوف أتتبّع من نصوص القرآن ما يعبّر عن الموضوع الذي نحن بصدده والذي يشرح مكانة المسيح وأمه البتول السيدة العذراء في القرآن واستطرادًا عند المسلمين وسيكون التعليق على ما يورد من هذه النصوص فرصةً للربط والبيان كلما لزم ليكون الحكم الفصل للنص القرآني.
- قال تعالى: “آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه و المؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرِّق ُبين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير” (البقرة 285)
المسلمون يؤمنون بعيسى بن مريم (عليه السلام) رسولًا كما يؤمنون بموسى رسولاً، وبكلّ الرسل التي دعت الى الله ودلّت عليه ، ما نعرف منهم ومن لا نعرف، وهناك أنبياء ودعاة وهادون الى سبيل الرشاد كثيرون لا نعرف منهم إلّا القليل وذلك هو مفهوم هذه الآية، قوله تعالى: “ولقد أرسلنا رسُلاً من قبلك منهم من قصصْنا عليك ومنهم من لم نقْصُص عليك وما كان لرسولٍ أن يأتي بآيةٍ إلا بإذن الله” (غافر 78)
أمّا عيسى وأمه مريم فقد كان لهما شأنٌ كبير في القرآن، كرّمهم وأظهر مكانتهم الرفيعة، يدلّ على هذا أن القرآن أفرد سورة كاملة باسم (مريم) تحدّث فيها عن مريم وابنها وزكّاها وأغلاها، وفي مواضع أخرى جاء ذكر عيسى على أنه كلمة الله الى أمّه وفي الناس ومن المقربين الى الله ومن أولي العزم بين أصحاب الرسالات.
- قال تعالى: ” إذ قالتْ الملائكةُ يا مريمُ إنّ الله يُبشِّرك بكلمةٍ منه إسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين” (آل عمران 45).
- ” قالت ربِّ أنَّى يكونُ لي ولدٌ ولم يمْسَسْني بشرٌ قال كذلِكِ اللهُ يخلقُ ما يشاءُ إذا قضى أمرًا فإنّما يقول له كنْ فيكون” (آل عمران 47).
- وإذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالَمين يا مريم اقْنُتي لربّك واسجُدي واركعي مع الراكعين” (آل عمران 42-43)
هكذا تكلّم القرآن – وهو كلام الله عن عيسى وأمه، هو بشرى وهو ذو شأنٌ عظيم لأنّه هو كلمة الله جاءت بشارة لأمه التي تساءلت كيف يكون لي ولدٌ ولم يمسسْني بشرٌ، فجاء ردُّ الملائكة أنّ ميلاده سيكون معجزةٌ بأمر الله القادر على كل شيء لا يعجزه أمرٌ أراده، وسيكون ميلاده حدثًا ليس ككلِّ الأحداث.
- ” إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثمَّ قال له كنْ فيكون وقد جاء عيسى بما جاءت به الرّسل وليصحّح الزيغ والانحراف الذي اقترفه البشر من الظلم والبغي والفساد جاء لنشر المحبة وإنصاف الضعفاء والفقراء والمساكين وليخلّص الناس من أوزارهم وخطيئاتهم، وتلك مهمّة الرسل من قبل ومن بعده وفي رسالة النبيّ محمد ” وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين”
يحتفل العالم المسيحي بمولد عيسى عليه السلام ابتهاجًا بهذه الذكرى التاريخية التي غيّرت من أخلاق الناس وقيم المجتمعات (بقدر ما أخذوا من دعوة المسيح) التي تنادي بالمحبة والتآخي ونبذ العنف، يحتفلون في ليلة الخامس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) بمولده وما ترمز إليه هذه المناسبة من معاني السلام الذي هو صفة من صفات الله يرددها المسلمون في كل صلاة دعاءًا ( اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذي الجلال والإكرام).
ولم تكن دعوة عيسى في مواجهة الظلم والظالمين سهلة بل لاقت محاربة شديدة وعانى المؤمنون به عذابات طويلة الأمد الى أن فتح الله النّور في القلوب فآمن بدعوته كثيرٌ من أهل الوثنية وبما جاءهم به عيسى من الخلاصِ من خطيئاتهم .
- ” ولمّا جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمةِ ولأبيّنَ بعضَ الذي تختلفون فيه فاتّقوا الله وأطيعون . إنّ الله هو ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم فويلٌ للذين ظلموا من عذاب يومٍ أليم” (الزخرف 63 – 65).
ومع مطاردة المسيحيين ورسل المسيح في كل مكان زاد تمسّكه وإصراره على تبليغ دعوة المسيح لأولئك الذين استكبروا وكذبوه وعملوا على قتله ووأْدِ دعوته الى أن نصره الله مؤيّدًا بروح القدس وقد بكّتَ المستكبرين المعاندين جاء ذلك في قوله تعالى: “ولق آتينا موسى الكتاب وقفَّيْنا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القُدُس أفكلّما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسُكم إستكْبَرْتُم ففؤيقًا كذّبتم وفريقًا تقتلون”.(
وكانت أشدّ المعارضة من اليهود الذين وجدوا فيه تهديدًا لامتيازات أحبارهم ولتسلّطهم على بني إسرائيل، وفضح تجبّرهم واستغلالهم للناس ومخالفتهم لمبادئ التوراة الربّانية وانحرافهم عنها.
فإذا كانت ذكرى الميلاد مراجعةً لدعوة المسيح واستذكارًا لمبادئه فخيرٌ للمسلمين ، شركاء المسيحيين في المسيح (عليه السلام)، أن يستذكر المسيحيون دعوته ويقاربوها ويعملوا بها من أن يكون المسيحيون عُطْلًا منها أو أنهم يتبعون قيمًا وأفكارًا أخرى لن ترقى في كل الوجود الى سموّ دعوة المسيح من مثل دعاوى الإلحاد أو الماديّة أو الشيوعية أو العنصرية. بأيّة حالٍ المتدين المتنوّر الذي يفهم القيم السامية لدينه خيرٌ من التائه الضّائع المعتنق لمبادئ موضوعة لا ترقى الى الكمال.
إن وصايا المسيح العشر، هي من صلب قيم الإسلام ومبادئه التي أوردها المسيح دستورًا أساسيّاً للعيش، لم تزل نبراسًا تتشاطره الرسالات. جاء في وصايا المسيح: “لا تقتلْ، لا تزنِ، لا تسرقْ، لا تشهد شهادة زورٍ، لا يكنْ لك آلهةٌ أخرى (وحّد الله)، لا تكذبْ، لا تصنعْ لك تمثالًا منحوتًا (لا تتعاظم)، أكرمْ والديك، أذكر يوم الربّ لتقدّسه (أعبد الله)، لا تشتهِ مقتنى غيرك (لا تطمع ولا تحسد).
إنّ تداول قيم الرسالات السماوية الحقّة الخيّرة يجب أن يتاح لكلّ الناس كي يتخلقوا بها وأن يكون التواصل والتعارف فيما بينهم سبيلاً للتلاقي والحوار والتفاهم وهذا ما يؤمَّل من أهل الرّسالات، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: “قلْ يا أهل الكتابِ تعالَوْا الى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتّخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله.. “.
في هذا بلاغٌ عمّا في القرآن من ذكرٍ وهناك كثيرٌ أيضًا لا يتّسع المجال لذكره.
*مستشار تحرير مجلة “صفحات” سابقاً
