ظاهرة التفلت الإعلامي: من فوضى المنصات إلى وهم الذكاء الاصطناعي
في لحظة فارقة من تاريخ البشرية، انتقلت أدوات التأثير والنشر من حيز المؤسسات المحصنة ذات السلطة الراسخة، إلى جيوب العصاة من عامة الناس؛ فأصبحت شاشة الهاتف الذكي أشبه بمنبر جماهيري، وخطبة دائمة، ومجلة تصدر كل ثانية. لقد تحقق بذلك حلم «الجمهور النشط» الذي طالما نادى به منظرو الاتصال، لكنه سرعان ما تحول إلى كابوس «الجمهور المارق»؛ إذ لم يعد الإعلام مهنة تُؤدى، بل هو فعل يومي يرتكبه الملايين، دون ترخيص، ولا ضمير مهني، ولا أدنى مسؤولية أخلاقية، لتنقلب بذلك المعادلة رأساً على عقب، ويصبح كل فرد يملك هاتفاً، إعلامياً بقدر ما يملك جرأةً، ومؤثراً بقدر ما يملك حنجرةً جهوريةً في فضاء لا يسمع فيه سوى فوضى المعلومات.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في انهيار ما يمكن تسميته بـ «السلطة المعرفية» التي كانت قائمة على التثبت، والتأني، والرجوع إلى المصادر الموثوقة. ففي عصر ما قبل المنصات، كانت الحقيقة تمر بمراحل من التمحيص والتحرير، ليحل محلها الآن «سبق التوقيت» و «إغراء المشهدية» .
في غياب الحارس البوّاب، اختلط الواقع بالافتراء، وسقطت الحقيقة في مهاوي «النسبية الإعلامية»، حيث لكل فرد حقيقته، ولكل ناشط روايته، مما أدى إلى تمزيق النسيج المجتمعي الواحد إلى جماعات رقمية متصارعة، تتناقل الشائعة كالنار في الهشيم، وترفع الخطاب إلى درجة من العنف اللغوي والنفسي، لا تليق بآدمية الإنسان، ولا تخدم المصلحة العامة.
وهنا تبرز أخطر المفارقات: أن «كثرة الإعلاميين» الجدد قد أنتجت «فراغاً إعلامياً» حقيقياً، فالمعلومة أصبحت هشّة، سريعة الزوال، قابلة للتركيب والتقطيع، وكأننا نعيش في عالم من «الشذرات» لا من «المعرفة»، حيث يُستبدل التحليل العميق بالصورة السريعة، وتُبتر السياقات لتتلاءم مع أهواء المتابعين، فيتحول الإعلام من كونه «رابع سلطة» إلى مجرد «سوق نخاسة» للعواطف المتدفقة.
وإذا كانت المنصات قد منحت الهامش صلاحية الكلام، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد منحته قدرة على التخليق والإبداع الوهمي، فكانت الطامة الكبرى التي ضاعفت الخطورة بمقدار عشرة أضعاف. لقد أنتجت الخوارزميات أدوات «التزييف العميق» (Deepfakes) و «الكتابة الآلية» (Automated Content) ، التي جعلت التمييز بين الصادق والمزيف مستحيلاً تقريباً، حتى على المحترفين أنفسهم.
صفحات ميديا
