خاص – صفحات ميديا
يعيش قطاع الإنشاء والتعمير في لبنان واحدة من أصعب مراحله التاريخية، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية الخانقة مع تداعيات الحرب والتقلبات الأمنية، لتشكّل مزيجاً قاتلاً يكبّل حركة هذا القطاع الحيوي. وفي قلب هذه العاصفة، يقف المطوّرون العقاريون كجنود في الخطوط الأمامية، يواجهون شحّ المواد، وارتفاع التكاليف، وانهيار القدرة الشرائية، وتراجع الطلب، في وقت تبقى فيه الالتزامات التعاقدية عصيّة على التأجيل أو التعديل.
المطوّر العقاري محمد شميط، الذي حمل مشاريعه في منطقة المنية طابع «السوبر دولوكس» والفخامة الهندسية، يروي لنا في هذا الحوار قصة صمود مموّلٍ ومقاولٍ يواجه رياح الأزمة العاتية، محاولاً التوفيق بين طموحاته الإنشائية وواقعٍ ينهار فيه كل شيء، ما عدا الإرادة.
كيف أثّر الوضع الاقتصادي والأمني الراهن على قطاع البناء في منطقة المنية خاصّة، وعلى مشاريعكم بصورة مباشرة؟
الوضع الاقتصادي المنهك يهيمن اليوم على حركة قطاع البناء بالكامل. بعد أن بدأ السوق بالتعافي أو «التأقلم» في عام 2022، جاءت حرب 2024 في غزة ثم انتقالها إلى لبنان لتضرب كل محفّزات تحريك السوق. الطلب على الشقق أصبح خجولاً جداً، وانحسر بشكل كبير مع تراجع القدرة الشرائية بالعملة الصعبة، خاصة أن سوقنا في المنية يعتمد بشكل أساسي على المغتربين، الذين يغيّبهم انعدام الأمان الأمني والاقتصادي فيدفعهم إلى تأجيل مشاريع تملك الشقق. هذا الانحسار في الطلب يحول دون رفع الأسعار لمواكبة التضخم، ما يعني أن شركتنا تتحمّل وحدها تبعات ارتفاع كل شيء، وعقود البيع عندنا ملزمة ولا يمكن تعديلها.

ما هو حجم مشاريعكم الحالية، وكيف تُديرون عملية البناء في ظل شحّ المواد وغلائها؟
نفّذنا حتى الآن 205 شقق سكنية و30 محلاً تجارياً. ولدينا حالياً 40 شقة قيد الإنشاء.
من جهة أخرى، فإننا نواجه تحدياً كبيراً في تأمين مواد البناء بسبب الشحّ الذي يهيمن على السوق، مما يرفع التكاليف علينا بينما لا نستطيع تحميل الزبائن أي زيادات. فنحن نعتمد في بناء مشاريعنا على معايير «سوبر دولوكس» مع ديكورات وإكسسوارات مميزة، ونلتزم بمبدأ «البناء لمرة واحدة» (وليس كل مرّة)، وهذا يرفع من قيمة عقاراتنا لكنه في نفس الوقت يضاعف الأعباء المالية علينا في ظل هذه الأزمة.

كيف تُسوّقون شققكم في ظل غياب القروض السكنية وتراجع الائتمان المصرفي؟
غياب قروض الإسكان، وشح السيولة عند المواطن، جعل آلية البيع تعتمد على نظام التقسيط الداخلي، حيث نطلب 50% من ثمن الشقة سلفاً، والباقي خلال فترة البناء، وهذا النظام يقتصر على المشاريع قيد الإنجاز فقط.
الوضع المالي المتعثّر للزبائن، إضافة إلى توقف قروض الإسكان، يجعل عملية التحصيل صعبة جداً. ولكن لحسن الحظ، هناك تفهّم من الزبائن بموضوع تأخير التسليم نظراً للواقع العام الصعب، وهذا يخفّف بعض الضغط عنّا.

ما الفرق بين أسعاركم وأسعار المنافسين في المنطقة؟ ولماذا هذا التفاوت؟
بطبيعة الحال، هناك اختلاف عن أسعار المنافسين، وذلك بسبب مقومات الرفاهية العالية التي نقدّمها: ديكورات فاخرة، إكسسوارات نوعية، تشطيبات سوبر دولوكس، وجودة بناء لا تُجازف فيها. نحن نبني «مرّة واحدة» وليس كل مشروع مرّة، وهذا يمنح قيمة حقيقية للمشتري لكنه يرفع من كلفتنا، ونحن نتحمّل هذه الفروق في الأسعار في سوق منهار، دون أن نستطيع رفع السعر النهائي لتعويض التضخم، لأن الطلب محدود جداً.

كيف أثّرت الأزمة على رأس مال الشركة وقدرتها على التوسع مستقبلاً؟
الأزمة الاقتصادية أدّت إلى تآكل جزء كبير من رؤوس الأموال. هذا التراجع الحاد في السيولة، إلى جانب حالة عدم اليقين، جعلنا نجمّد شراء أي أراضٍ جديدة. فتركيزنا اليوم منصبّ بالكامل على تصفية المشاريع القائمة وإنجازها، قبل الدخول في مشاريع جديدة.

ما هي نظرة المطوّر محمد شميط للمستقبل في ظل هذا الواقع المظلم؟
نسمع كثيراً وعوداً بالنهوض الاقتصادي، لكننا نعيش واقعاً يشبه المثل القائل: «نسمع قعقعة ولا نرى طحيناً». ومع ذلك، لا نملك إلا التفاؤل بالقادم من الأيام، لأن المستقبل لا يخلو من تغيير، فلا شيء يبقى على حاله، وهذه القناعة وحدها هي ما تبقّى لنا من وقود للأمل.

في مشهد عام يموج بالأزمات وانعدام الأمان، يظلّ المطوّر العقاري محمد شميط نموذجاً للمقاول اللبناني الذي يحاول الإمساك بخيوط مشاريعه في زمن تتقطّع فيه الخيوط جميعها. من دقّ الآبار على نفقته، إلى استبدال الغطاسات، إلى تحمّل فروقات الأسعار والتضخم والروتين الإداري، يبدو الرجل وكأنه يبني في منطقة حرب، ليس فقط بيديه، بل بجيبه وإرادته أيضاً.
ورغم كل هذا الثقل، يبقى الأمل حاضراً في كلماته، وكأنه يعرف أن قطاع البناء في لبنان، شأنه شأن اللبنانيين، اعتاد النهوض من تحت الركام. لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه هذا الحوار: كم من مطوّر قادر على الصمود حتى إشعار آخر؟ وكم من مشروع «سوبر دولوكس» سينتظر حتى يأتي يوم يليق به؟ الأيام كفيلة بالإجابة.
