تحقيق: عامر عثمان

يشكّل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات، الواقع في محافظة عكار شمالي لبنان، أحد أبرز المشاريع التي عادت إلى واجهة الاهتمام الرسمي خلال السنوات الأخيرة، في ظل الضغوط المتزايدة على مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت والحاجة إلى تعزيز البنية التحتية للنقل الجوي في البلاد.

أُنشئ مطار القليعات في الأصل خلال خمسينيات القرن الماضي، واستخدم لأغراض عسكرية ومدنية في مراحل مختلفة، إلا أن الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها من ظروف سياسية وأمنية أدت إلى توقف دوره كمطار مدني، ليقتصر استخدامه على مهام عسكرية محدودة. وعلى الرغم من المطالبات المتكررة بإعادة تشغيله، بقي المشروع حبيس الدراسات والوعود لعقود طويلة.
اليوم، عاد مطار القليعات إلى دائرة التنفيذ الفعلي، بعدما أعلنت الحكومة اللبنانية إطلاق المرحلة التنفيذية لمشروع تطويره وتشغيله، عقب استكمال الإجراءات القانونية والإدارية وإرساء المزايدة على شركة متخصصة لتطوير واستثمار المطار، في خطوة اعتبرها المسؤولون محطة مفصلية لإعادة إدماجه ضمن شبكة النقل الجوي اللبنانية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تشغيل المطار لن يقتصر على تخفيف الضغط عن مطار بيروت، بل سيمنح شمال لبنان فرصة تنموية طال انتظارها. فمن المتوقع أن يساهم المشروع في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط القطاعين السياحي والتجاري، وتحفيز الاستثمارات في محافظة عكار التي تعاني منذ سنوات من ضعف المشاريع الإنمائية وارتفاع معدلات البطالة.
كما يتمتع المطار بموقع استراتيجي قريب من الحدود السورية ومن مرفأ طرابلس، ما قد يجعله نقطة لوجستية مهمة لحركة المسافرين والشحن الجوي مستقبلاً، خصوصاً إذا ترافق تشغيله مع تطوير شبكة الطرق والبنى التحتية المحيطة به.
في المقابل، لا يخلو المشروع من تحديات كبيرة. فإعادة تشغيل أي مطار تتطلب استثمارات ضخمة لتحديث المدرجات، وتجهيز مباني الركاب، وتوفير أنظمة الملاحة والسلامة، إضافة إلى استكمال الإجراءات المتعلقة بالأمن والجمارك والمراقبة الجوية وفق المعايير الدولية. كما أن نجاح المشروع يرتبط بقدرته على استقطاب شركات الطيران وتأمين حركة ركاب كافية تضمن استدامته الاقتصادية.
وأكدت وزارة الدفاع ووزارة الأشغال العامة والنقل في اجتماعات مشتركة أن العمل يجري بالتنسيق بين مختلف الجهات المعنية لتأهيل المطار، مع التشديد على أهميته الاقتصادية والإنمائية، ودوره في دعم الحركة التجارية والسياحية وخلق فرص عمل جديدة في الشمال.
ويرى متابعون أن نجاح مطار القليعات لن يكون مجرد إنجاز في قطاع الطيران، بل اختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ مشاريع بنى تحتية كبرى بعد سنوات من التعثر. فالمطار قد يشكل نموذجاً للشراكة بين القطاعين العام والخاص إذا أُنجز وفق الجداول الزمنية المعلنة، مع المحافظة على أعلى معايير الشفافية والكفاءة.
ويبقى السؤال الأساسي: هل سيتمكن مطار القليعات من التحول إلى بوابة جوية ثانية للبنان، أم أنه سيواجه العقبات نفسها التي عطلت انطلاقته طوال العقود الماضية؟ الإجابة ستتوقف على سرعة تنفيذ الأعمال، والالتزام بالمعايير الفنية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة تضمن استمرارية المشروع.
وبين التفاؤل الرسمي والحذر الشعبي، تبدو إعادة إحياء مطار القليعات فرصة حقيقية لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للشمال اللبناني، وإثبات أن الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يكون مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المتوازنة في مختلف المناطق اللبنانية.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *