‎علاء الخوري- ليبانون فايلز

عاد رياض سلامة إلى الواجهة، لكن الأصح أن نقول: عادت الطبقة السياسية التي صنعت رياض سلامة إلى مواجهة نفسها.
‎خروجه من السجن بكفالة قياسية بعد 13 شهراً، وتأجيل محاكمته في ملف الشقق الباريسية إلى كانون الثاني 2027، أوحى للكثيرين أن تسوية ما قد طويت الملف. الذي حصل هو العكس. الشكوى التي تقدم بها الحاكم الحالي كريم سعيد، والتي سبقته إليها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تشرين الأول 2025 بالتهم والأسماء نفسها، كانت إعلان قطيعة.
‎من الخطأ قراءة ملف سلامة كقضية اختلاس 44.8 مليون دولار من حساب الاستشارات أو عمولات بـ 266 مليون دولار على استثمارات فاشلة. هذه هي الوقائع المادية التي يلاحقها القضاء، واستدعاء رئيس بنك عودة السابق سمير حنا، لمواجهته مع سلامة في 30 تموز يؤكد أن التحقيق يدخل في شبكة العلاقة بين المركزي والمصارف. لكن الوقائع السياسية تأخذنا الى ما هو أكثر عمقا في القضية، فسلامة حكم 30 عاماً لأنه كان نقطة التوازن بين كل القوى: يمول الدولة، يثبت الليرة، ويغطي الجميع. اليوم، أي استدعاء جدي له، حتى لو كان في منزله عبر القاضية سمرندا نصار لأسباب صحية، يعيد الضغط على تلك القوى نفسها.
‎هناك دائرة سياسية ضيقة، معروفة بالاسم في الكواليس المالية، لا تزال تعتبر سلامة جزءاً من منظومتها. ليس حباً به، بل خوفاً مما يمثله: الأرشيف. العامل الخفي وراء الانقسام الذي رافق قرار المدعي العام التمييزي أحمد رامي الحاج.
‎فريق يريد إبقاءه بعيداً عن الأضواء وتجنب إعادته إلى قاعة المحكمة. لا قناعة ببراءته، بل لأن ما يملكه الرجل من وثائق ومراسلات وتحويلات و”تفاهمات” شفهية على مدى ثلاثة عقود، قادر على هز عرش عدد كبير من السياسيين ورؤساء مجالس الإدارة. وسلامة حتى الآن يتجنب الغوص فيه، يلعب لعبة الصمت المدروس: لا يهاجم، ولا يعترف، وينتظر. وفريق آخر، مدعوم من حاكمية جديدة تريد شرعية دولية، يعتبر أن إقفال ملف سلامة دون محاسبة شفافة يمنع أي خطة تعافٍ. وهنا تدخل الحلقة الأميركية التي لا يمكن تجاهلها. واشنطن لديها أكثر من علامة استفهام حول أداء سلامة في المرحلة السابقة، وتحديداً في ملف العلاقة مع حزب الله والعقوبات. الأوساط المالية المتابعة في بيروت وواشنطن تعرف أن المركزي اللبناني كان في موقع “الحاكم” لا “المراقب”: هو من كان يفترض أن يطبق العقوبات الأميركية على المصارف، وهو في الوقت نفسه من كان يحافظ على استقرار نظام مالي يتغلغل فيه نفوذ الحزب عبر شبكات اقتصادية.
‎السؤال الأميركي لم يكن يوماً: هل موّل سلامة حزب الله؟ بل كان: إلى أي مدى غضّ النظر، أو أخّر، أو التفّ على آليات الرقابة تحت ضغط سياسي داخلي؟ هذا الملف كان حاضراً في التحقيقات الأوروبية، وحاضراً في تقارير الخزانة الأميركية، وهو اليوم يعود بقوة لأن الإدارة الأميركية الحالية تربط أي مساعدة للبنان بإصلاحين لا ينفصلان: إصلاح مالي، وإصلاح يقطع تمويل الاقتصاد غير الشرعي. إعادة تحريك ملف سلامة من قبل حاكم محسوب على المدرسة الإصلاحية يعطي واشنطن إشارة أن بيروت مستعدة لفتح الصندوق الأسود، لا لإقفاله.
‎عودة ملف رياض سلامة، هي عودة السؤال المؤجل منذ 2019: هل كانت الأزمة المالية نتيجة سوء إدارة، أم نتيجة نظام حماية سياسية متعمد؟
‎الضغط اليوم ليس على سلامة وحده. الضغط على الطبقة التي غطت سلامة، ثم تخلت عنه، ثم تحاول اليوم إسكاته بصمت. والرجل، بخبرته، يدرك أن أوراقه لم تحترق بعد. وهذا بالضبط ما يجعل الملف خطيراً، وإعادته إلى الواجهة حتمية، سواء بضغط من الداخل أو بطلب من الخارج.





Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *