ليبانون ديبايت
إلى متى يمكن الرهان على اتفاق إطار مع دولة تُخبرنا، كل يوم، بأنها لا تهدم أنفاقاً أو مواقع عسكرية فحسب، بل تنسف قرى لبنانية كاملة، وتزيل أحياءً ومنازل مدنية عن الخريطة، ثم يخرج وزير دفاعها ليتباهى بأن الهدف هو ألا يجد الأهالي مكاناً يعودون إليه؟
يوماً بعد يوم، تسقط الذرائع التي يُسوَّق من خلالها اتفاق الإطار باعتباره طريقاً لاستعادة الأرض وعودة السكان. ويوماً بعد يوم، تكشف إسرائيل بنفسها أن نظرتها إلى الجنوب لا تقوم على الانسحاب أو التسوية، بل على التدمير والتهجير وفرض واقع دائم بالقوة.
وجاء كلام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليضع رئيس الجمهورية والدولة اللبنانية، وكل من لا يزال يراهن على هذا المسار، أمام لحظة حقيقة لا تحتمل المناورة أو التجاهل.
ففي مقابلة ضمن برنامج “هباتريوتيم” (الوطنيون) على القناة 14 الإسرائيلية، قال كاتس، وفق الترجمة الحرفية لتصريحه: “لقد دمّرنا 24 قرية لبنانية، ودمّرنا جميع المنازل لأنها كانت تُستخدم كبنى تحتية لحزب الله. قررنا وضع حدّ لهذه الظاهرة، ولذلك لن يعود السكان، لأنه لم يعد لديهم ما يعودون إليه. كل شيء دُمّر، ووسائل الإعلام لم تُظهر ذلك”.
أيّ كلام أوضح من ذلك؟ وأيّ دليل إضافي يحتاجه من لا يزال يعتقد أن إسرائيل تريد اتفاقاً متوازناً أو انسحاباً كاملاً؟
كاتس لا يتحدث عن استهداف أنفاق أو مخازن سلاح. إنه يتحدث عن قرى، وعن منازل، وعن سكان، ويعلن أن الهدم الشامل كان مقصوداً كي يُمنع اللبنانيون من العودة. هذه ليست نتيجة جانبية للحرب، بل سياسة يعترف بها وزير الدفاع الإسرائيلي ويتباهى بتنفيذها.
المفارقة الصادمة أن إسرائيل لا تحاول حتى إخفاء نياتها، فيما يواصل بعض المسؤولين في لبنان التعامل مع اتفاق الإطار وكأنه خشبة خلاص. إسرائيل تهدم البيوت، وتنسف الأحياء، وتمنع العودة، وتبقي احتلالها، ثم تقول للبنان: التزم أنت بما عليك، فيما نقرر نحن متى ننسحب، ومن يعود، وما الذي يبقى قائماً في الجنوب.
لقد بدأت تتكرّس لبنانياً قناعة بأن إسرائيل لا تريد من الاتفاق إنهاء الاحتلال، ولا إعادة الأراضي والأسرى، ولا عودة الأهالي، ولا إعادة إعمار القرى المدمّرة. ما تريده هو انتزاع التزامات من لبنان، مقابل الاحتفاظ بالهيمنة الأمنية والميدانية وحرية الاعتداء متى تشاء.
وهنا لا بد من صحوة ضمير سياسية ووطنية. فلا يجوز اختزال ما يحصل بخلاف على جدول زمني أو بضمانة أميركية ناقصة. نحن أمام دولة تعلن على لسان وزير دفاعها أنها دمّرت قرى لبنانية كي لا يعود أهلها إليها، ثم يُطلب من اللبنانيين أن يطمئنوا إلى اتفاق معها.
رئيس الجمهورية اليوم أمام امتحان حقيقي: إما أن يُقرأ كلام كاتس كما هو، باعتباره إعلاناً عن إسقاط جوهر اتفاق الإطار، وإما أن يستمر لبنان في مسار يقدّم التزامات من طرف واحد، بينما تعمل إسرائيل على تحويل الاحتلال والتهجير إلى أمر واقع.
بعد اعتراف كاتس، لا مكان للغة الرمادية. إسرائيل لا تريد اتفاقاً ينهي الاحتلال، بل اتفاقاً يشرعنه وينظّمه. لا تريد إعادة الجنوب إلى أهله، بل تريد جنوباً مدمّراً وخاضعاً لشروطها.
أما الاستمرار في الرهان على نياتها، بعد كل ما دمّرته وما تقوله علناً، فلم يعد خطأً في التقدير فقط، بل تجاهلاً لحقيقة تصرخ أمام الجميع: إسرائيل لا تفاوض من أجل الانسحاب… إنها تفاوض لتثبيت الهيمنة.
إ
