يعكس كلام المبعوث الأميركي توم براك في قمة الأعمال الأميركية- العراقية توجهاً استراتيجياً أميركياً لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمشرق. فالإشارة إلى جعل مضيق هرمز “ثانوياً” خلال عامين تحمل رسالة تتجاوز أمن الطاقة، لتكرس انتقال واشنطن من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء شبكة إقليمية تقلل من قدرة أي طرف على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية.
بالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه الرؤية أهمية استثنائية لأنها تضعه للمرة الأولى منذ سنوات ضمن مشروع إقليمي واسع، لا باعتباره ساحة نزاع، بل حلقة محتملة في شبكة النقل والطاقة والتجارة الممتدة من العراق وسوريا إلى تركيا وأوروبا. وهذا التحوّل، إذا كُتب له النجاح، قد يعيد الاعتبار للدور الجغرافي الذي فقده لبنان تدريجياً بفعل الأزمات الداخلية والحروب الإقليمية.
غير أن إدراج لبنان في هذا المشروع يبقى مشروطاً بجملة عوامل سياسية وأمنية. فلا يمكن لأي استثمارات كبرى في خطوط الطاقة أو الممرات البرية أن تتقدم في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، أو في ظل غياب بيئة مستقرة تسمح للشركات الدولية بالمشاركة في مشاريع طويلة الأمد. من هنا يمكن قراءة الحراك الأميركي المتوازي، سواء عبر المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية أو الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، باعتباره جزءاً من تهيئة البيئة اللازمة لهذا التصور الإقليمي الأوسع.
كما تكشف تصريحات براك عن تبدّل في الأولويات الأميركية. فبدلاً من التركيز على الانتشار العسكري أو إدارة الصراعات، تتجه واشنطن نحو بناء منظومة ترابط اقتصادي تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة لدول المنطقة. في هذا السياق، يصبح لبنان جزءاً من معادلة اقتصادية وأمنية جديدة، يكون فيها موقعه الجغرافي وقربه من الساحل الشرقي للمتوسط عنصر قوة، شرط أن يتمكن من استعادة دوره كممر آمن موثوق.
لكن في المقابل، يواجه لبنان تحدياً أساسياً يتمثل في عدم تفويت هذه الفرصة. فإذا نجحت الدول المجاورة في إنشاء شبكات نقل وطاقة تتجاوزه، فإنه قد يجد نفسه خارج أحد أهم التحولات الاقتصادية في المنطقة منذ عقود، خصوصاً أن المنافسة على الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات اللوجستية ستكون شديدة.
لذلك، يبدو كلام براك بمثابة مؤشر إلى أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بالتوازنات العسكرية أو بنتائج المفاوضات السياسية، بل بقدرة الدول على الاندماج في خريطة اقتصادية جديدة. ولبنان إما أن ينجح في استثمار التسويات الأمنية الجارية لاستعادة موقعه ضمن هذا المشروع الإقليمي، وإما أن يبقى على هامش إعادة تشكيل المشرق، فيما تنتقل أدوار العبور والتجارة والاستثمار إلى دول أخرى أكثر استقراراً وجاهزية
