في مونتيفيديو، انطلقت أول نسخة من كأس العالم بمباراتين أقيمتا في التوقيت نفسه، ففازت فرنسا على المكسيك 4-1، وتغلبت الولايات المتحدة على بلجيكا 3-0.
على ملعب “بوسيتوس”، سجّل الفرنسي لوسيان لوران الهدف الأول في تاريخ بطولة كأس العالم بعد 19 دقيقة.
أما استاد “سنتيناريو”، الذي شُيّد ليكون الملعب الرئيسي للمونديال، فلم يكن قد اكتمل بعد، بعدما أخّرت الأمطار أعمال بنائه.
لم يكن أحد يعرف أن الهدف الذي سُجّل أمام مدرجات متواضعة سيفتتح حكاية أحد أكبر الأحداث الرياضية في العالم.
شارك في النسخة الأولى 13 منتخبًا فقط، وصل بعضها بعد رحلات بحرية طويلة، وأقيمت جميع المباريات في مدينة واحدة.
بعد 96 عامًا، اتسعت البطولة إلى 48 منتخبًا و104 مباريات، موزعة على 16 مدينة في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، مع اتفاقيات بث تشمل أكثر من 220 منطقة حول العالم.
كيف انتقلت كأس العالم من تجربة لم يكن نجاحها مضمونًا في أوروغواي إلى حدث ينتظره العالم، وتعيد مبارياته ترتيب حياة المدن وأوقات العمل والدراسة؟
قبل تأسيس كأس العالم، كانت كرة القدم الدولية تجد مسرحها الأكبر في الألعاب الأولمبية. لكن استبعاد اللاعبين المحترفين من المنافسات الأولمبية أصبح مشكلة متزايدة مع انتشار الاحتراف واتساع شعبية اللعبة.
دفع ذلك الفرنسي جول ريميه، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك، إلى العمل على إنشاء بطولة مستقلة تجمع أفضل المنتخبات من دون قيود الهواية.
لم تحظَ الفكرة بتأييد واسع في بدايتها، واستغرق تمريرها سنوات، قبل أن يوافق مؤتمر “فيفا” عام 1928 على إقامة بطولة عالمية كل أربع سنوات، تنطلق نسختها الأولى عام 1930.
اختيرت أوروغواي لاستضافة البطولة بعدما أحرز منتخبها ذهبيتي كرة القدم في أولمبيادي 1924 و1928، وبالتزامن مع احتفال البلاد بمئوية دستورها. كما تعهدت الدولة المضيفة بتغطية نفقات سفر المنتخبات المشاركة.
بدا الاختيار منطقيًا رياضيًا، لكنه أثار اعتراضات أوروبية.
كان عبور الأطلسي مكلفًا ويستغرق أسابيع، بينما لم تكن الرحلات الجوية التجارية خيارًا متاحًا لمعظم الفرق. وهكذا وجدت البطولة التي حملت اسم “العالم” صعوبة في إقناع العالم بالمشاركة فيها.
لم تُقم تصفيات للنسخة الأولى، وإنما وُجهت الدعوات إلى المنتخبات مباشرة.
شاركت سبعة منتخبات من أميركا الجنوبية، ومنتخبان من أميركا الشمالية، وأربعة منتخبات أوروبية فقط: فرنسا وبلجيكا ورومانيا ويوغوسلافيا.
سافرت ثلاثة من المنتخبات الأوروبية على متن السفينة الإيطالية “كونتي فيردي”. صعد الرومانيون من جنوى، وانضم إليهم الفرنسيون ثم البلجيكيون، بينما كان على متن السفينة أيضًا جول ريميه وثلاثة حكام والكأس التي سيتنافس عليها المشاركون.
توقفت السفينة في موانئ عدة، ثم أقلّت المنتخب البرازيلي من ريو دي جانيرو، قبل أن تصل إلى مونتيفيديو بعد 15 يومًا في البحر. أما المنتخب المكسيكي، فسافر من فيراكروز إلى هافانا، ثم اتجه شمالًا إلى نيويورك ليلتحق بالمنتخب الأميركي في سفينة أخرى متجهة جنوبًا نحو أوروغواي.
كان الوصول إلى المونديال في حد ذاته مغامرة، قبل أن تبدأ المنافسة داخل الملعب
مع ذلك، نجحت البطولة في جذب الجماهير.
تقدمت الأرجنتين 2-1 في الشوط الأول، قبل أن تقلب أوروغواي النتيجة وتفوز 4-2، لتصبح أول بطلة للعالم.
من الدعوات إلى التصفيات
كشف نجاح النسخة الأولى أن المشاركة لم تعد قابلة للإدارة من خلال الدعوات وحدها.
قبل مونديال إيطاليا 1934، دخل 32 منتخبًا المنافسة على 16 مقعدًا، ما أدى إلى تنظيم أول تصفيات في تاريخ كأس العالم.
حتى إيطاليا، بصفتها الدولة المضيفة، اضطرت إلى خوض التصفيات، وهي الحالة الوحيدة التي لم يتأهل فيها المضيف مباشرة إلى نهائيات البطولة.
الطريق البحري إلى مونتيفيديو
منذ ذلك الوقت، لم تعد كأس العالم تبدأ في البلد المضيف، وإنما تحولت إلى مسار يمتد سنوات ويشمل مباريات في مختلف القارات. وأصبحت التصفيات الجزء الذي يمنح البطولة معناها العالمي، لأن الدول التي لا تبلغ النهائيات تعيش بدورها سنوات من المباريات والحسابات والآمال.
كيف اتسعت كأس العالم
صُممت نسختا 1934 و1938 لاستقبال 16 منتخبًا، قبل أن يستقر هذا العدد لسنوات بعد الحرب العالمية الثانية.
ارتفع العدد إلى 24 منتخبًا في إسبانيا عام 1982، ثم إلى 32 في فرنسا عام 1998، وظل كذلك حتى مونديال قطر 2022، قبل اعتماد نظام الـ48 منتخبًا في نسخة 2026.
