ميرا جزيني- الحدث
بدت الجبهة اللبنانية في أعقاب الاتفاق الأميركي- الإيراني واتفاق واشنطن في مرحلة من الضبط النسبي بفعل هذه التفاهمات التي هدفت إلى منع توسّع الحرب. إلا أن عودة التصعيد بين واشنطن وطهران من شأنه أن يعيد خلط الأوراق، ويضع لبنان مجدداً في دائرة الاشتباك غير المباشر بين الطرفين، باعتباره إحدى الساحات الأكثر حساسية في معادلة النفوذ الإقليمي. فالجنوب اللبناني أصبح جزءاً من منظومة الردع المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران. وعندما ترتفع وتيرة التوتر الأميركي- الإيراني، تتراجع تلقائياً فرص تثبيت الهدوء على الحدود، وتزداد احتمالات العودة إلى سياسة الرسائل العسكرية، سواء عبر عمليات محدودة أو من خلال توسيع نطاق الاستهدافات.
في هذا السياق، تكتسب منطقتا الشقيف وعلي الطاهر أهمية استثنائية في الحسابات الإسرائيلية. فتل أبيب تعتبر أن السيطرة النارية على هاتين التلتين تمنح أفضلية استخباراتية وعسكرية تسمح بمراقبة مساحات واسعة من جنوب لبنان، وتؤمّن عمقاً دفاعياً لأي عملية مستقبلية. لذلك، تنظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى أي نشاط لحزب الله في محيطهما باعتباره تهديداً مباشراً يستوجب الاحتواء أو الاستهداف.
في المقابل، يدرك حزب الله أن أي تراجع في حضوره أو قدرته على العمل في هذه المناطق قد يُفسَّر على أنه تغيير في قواعد الاشتباك التي حكمت الحدود خلال السنوات الماضية. ومن هنا، تصبح احتمالات الاحتكاك أكبر كلما ارتفع منسوب التوتر الإقليمي، حتى لو لم يكن أي من الطرفين راغباً في الانزلاق إلى حرب شاملة.
تكمن المشكلة الأساسية في أن الجنوب قد يتحوّل مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران. ففي كل مرة تتعثر المفاوضات أو تتصاعد الضغوط السياسية والعسكرية، تزداد الحاجة لدى مختلف الأطراف إلى استخدام أوراق النفوذ الميدانية لتحسين شروط التفاوض أو فرض وقائع جديدة.
بذلك لن يبقى أي تدهور في العلاقة الأميركية – الإيرانية محصوراً في الخليج أو مضيق هرمز، بل تزداد مخاطر امتداده إلى الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، حيث تبقى احتمالات التصعيد قائمة، خصوصاً في النقاط التي تصنّفها إسرائيل بأنها استراتيجية مثل الشقيف وعلي الطاهر. وفي ظل غياب تسوية إقليمية شاملة، يبقى الجنوب أكثر الساحات قابلية لاستقبال ارتدادات الصراع، ولو على شكل مواجهات موضعية قابلة للتدحرج إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حدود الردّ أو طبيعة الرسائل المتبادلة.
