مع اقترابنا من موعد التجديد لقوات اليونيفيل في مجلس الامن الدولي استنفر لبنان الرسمي بحثا عن مخرج يُبقي هذه القوات في الجنوب على قاعدة “القديم على قدمه”.
ولكن المفارقة برزت بالموقف الاميركي الرافض رفضا قاطعا للتمديد لهذه القوات وفق الآلية القديمة بل يريد أكثر من ضمانة تتعلق بالوضع الميداني جنوبا.. وتشكل المعارضة الأميركية الإسرائيلية للتجديد بالصيغة الحالية محور التعقيدات الراهنة. الموقف الأميركي يطرح تصوراً جذرياً يتضمن قبول تجديد “أخير” مقترن بتوسيع صلاحيات اليونيفيل شمال نهر الليطاني وتعزيز قدراتها التفتيشية، بما يشمل المعابر الحدودية لمنع تهريب الأسلحة لحزب الله. هذا التوجه الأميركي ينطلق من قناعة بفشل اليونيفيل في مهمتها الأساسية، كما عبر عنه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في رسالته لنظيره الأميركي، معتبراً أن القوة “فشلت في منع تموضع حزب الله جنوب الليطاني”. هذا المنطق يستند إلى تحليل براغماتي يرى أن استمرار الوضع الراهن لا يحقق الأهداف الاستراتيجية المطلوبة.
في المقابل، يتمسك الموقف الرسمي اللبناني، كما أكده الرئيس جوزاف عون، ببقاء القوات الدولية “طوال المدة اللازمة لتنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته”. هذا الموقف الرسمي اللبناني يأتي في ظل التغييرات الجذرية للسياسة الرسمية اللبنانية التي بدأت الاستدارة أكثر نحو تبني القرارات الاممية وتغيير النهج الذي كان متبعا في الفترة الماضية والموالي لحزب الله، وبالتالي يطلب لبنان الرسمي التجديد للقوات الدولية وفق الصيغة الحالية ليكون ورقة دعم للحكومة التي تريد سحب سلاح الحزب، وهذا يعكس إدراكاً لبنانياً لأهمية اليونيفيل كعنصر لا بديل عنه لحماية الجنوب في المرحلة المقبلة.
وهنا يواجه مجلس الأمن معضلة معقدة حول مستقبل قوات اليونيفيل في لبنان، مع بدء مناقشة مشروع القرار الفرنسي الذي يقضي بتمديد ولايتها حتى آب 2026. هذا الملف، الذي تحول من إجراء روتيني إلى ساحة تجاذب دولي، يكشف عن تناقضات جوهرية في الرؤى الاستراتيجية للأطراف المعنية.
فرنسا، من جانبها، تقود المعسكر المؤيد للتجديد، معتبرة اليونيفيل ضرورة استراتيجية لشبكة الاستقرار في المنطقة. الضغط الفرنسي على الإدارة الأميركية يهدف أيضا إلى المحافظة على التفويض الحالي مع تعديلات بسيطة مقبولة من لبنان.
التحليل الواقعي لأداء اليونيفيل، جعلها قوة مراقبة أكثر من كونها قوة ردع فعلية. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لم تستطع منع الاجتياحات الإسرائيلية أو نزع سلاح حزب الله، لكنها نجحت في “تجنب حرب شاملة” وشكلت “كابحاً نفسياً وسياسياً للتصعيد”.
في ظل هذه الوقائع تتراوح الخيارات المطروحة بين المحافظة على الوضع الراهن مع تحسينات تدريجية، أو المخاطرة بتغيير جذري قد يؤدي إلى انفلات أمني. المرجح أن التسوية النهائية ستعتمد على مدى قدرة لبنان على إثبات جدية في تنفيذ التزاماته، وعلى التوازنات الإقليمية والدولية الأوسع التي تتجاوز حدود الملف اللبناني.
