الدار التي أنشأتها قامة طرابلسية وعربية بحجم الراحل الرائد أحمد المعماري، لا يمكن أن توقفها أزمة أو أن تنال من عزيمتها التحديات التي تعصف بالبلاد
د. نصر معماري
صفحات ميديا
بعيداً عن البهرجة والأضواء البراقة، تعمل “دار الزهراء” التي أسسها الرائد المتقاعد الراحل أحمد معماري، بجدية وإخلاص في خدمة المجتمع ورعاية الفئات الأكثر تهميشاً وحاجة للرعاية الصحية والنفسية. وهي تستمر في تطوير قدراتها وإمكاناتها إيماناً منها بقانون التغير والتطور المستمر الذي يشكل ضمانة النجاح في أي عمل مماثل.
وقد قام “صفحات ميديا” بجولة ميدانية في أروقة الدار، للوقوف على إمكاناتها وطموحاتها، وكيفية تكيفها مع الأزمة التي يعاني منها لبنان حالياً، وقابليتها للاستمرار في ظل هذه المعطيات.
الدكتور نصر معماري:
مستمرون في التحدي… ولا شيء يعيقنا

بداية، شدد مدير الدار د. نصر معماري في حديث لـ”صفحات ميديا” على أن الدار التي أنشأتها قامة طرابلسية وعربية بحجم الراحل الرائد أحمد المعماري، لا يمكن أن توقفها أزمة أو أن تنال من عزيمتها التحديات التي تعصف بالبلاد، وعلى هذا الأساس، فهي مستمرة في رعاية الأيتام من خلال الأقسام المخصصة لذلك، وهي تجهد في تقديم أفضل الخدمات لهم، مراعية المعايير والأنظمة التي تتغير باستمرار، وذلك انطلاقاً من كون رعاية اليتيم مسؤولية أخلاقية واجتماعية ودينية، قبل أن تكون مجال تخصص ينبغي التميز فيه في عالم أصبح لا يؤمن بأنصاف الحلول، وأشباه المتخصصين. ولذلك، تستعين الدار بطاقم من المتخصصين في الرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية، ليشعر الطفل اليتيم بأنه في حضن أسرة ترعاه وتقف على مختلف احتياجاته، لا مجرد دار ترى فيه نزيلاً مؤقتاً أو “سلعة” تستفيد منها.
وأشار معماري إلى أن “القيم على أي عمل ا[تماعي تنموي، لا بد وأن يتمتع بسعة الأفق وقادراً على تمييز الغث من السمين، من هنا، فقد تمكنا من فرض نوع من التغيير على البرامج التي اقترحتها منظمات دولية، بما يتلاءم مع طبيعة المجتمع اللبناني وخصوصيته. “
ولفت معماري إلى أن خدمات الدار، وإن تكن تأثرت إلى حد كبير بالأزمة التي يعيشها لبنان منذ أكثر من ثلاث سنوات، نتيجة ارتفاع أسعار السلع واضطراب سعر الصرف، إلا أنها ترفض أن يعيقها أي شيء عن أداء رسالتها الإنسانية التي تستمر في أدائها “بما تيسر” وبإيمان وأمل كبيرين بأن القادم أفضل بإذن الله.
من هنا، فقد دخل “دار الزهراء” مجال الزراعة عام 2019، مع بداية الأزمة، من خلال بعض المشاريع الزراعية ضمن المنطقة المعروفة شعبياً بالـ”شلفة”، الغنية ببساتين الحمضيات أصلاً، وقد افتتح مركز للدعم الزراعي، من خلال خبرات وتقنيات الجديدة، وربطهم بالجهات المانحة، إضافة إلى تأمين الاكتفاء الذاتي لدار الزهراء من الخضروات والفواكه.

بالانتقال إلى المستشفى التابع للدار، فهو يستمر في التطوير الذاتي، كما أشار معماري، وافتتاح أقسام وخدمات تستجيب للحاجات المتزايدة في المجتمع، إضافة إلى الوقوف على آخر الابتكارات في المجال الطبي، تشخيصاً وعلاجاً، دون أن ننسى مواكبته للأزمات والمستجدات الصحية التي تشهدها البلاد، وآخرها أزمة الكوليرا، التي يعمل المستشفى على متابعة الحالات الوافدة إليه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
أما عن التحديات التي يواجهها المستشفى، فقد لفت معماري إلى أنها لا تختلف عما يشهده القطاع الصحي في لبنان عموماً، من ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الطبية، واستمرار نزيف الأطباء والطواقم التمريضية، ولكن “دار الزهراء” تحاول معالجة هذا الواقع بما أوتيت من إمكانات، وبدعم من أهل الخير في لبنان والخارج، إيماناً منها بأن العمل الخيري لا يجوز أن يتوقف تحت أي ظرف، وبمواجهة أي تحدٍ كان.

أما على صعيد دار الأيتام، فقد عدلت “دار الزهراء” من طريقة عملها، وتحولت من دار أيتام إلى دار رعاية تقدم الخدمات النفسية والاجتماعية، خاصة في ظل انتشار حالات الطلاق وما تخلفه من آثار نفسية مدمرة على الطفل.
وعلى صعيد التمويل الذي يشكل عصب أي عمل، فقد لفت معماري إلى أن الدار كانت قد أبرامت عقوداً مع الدولة اللبنانية، ولكن هذه العقود مع الأسف خسرت أكثر من 2000% من قيمتها، ولكنها رفضت الانحناء لقساوة الأزمة.
ويستعرض معماري تاريخ مستشفى دار الزهراء وانتقاله من الفئة الأولى إلى الثانية والافتتاح التدريجي لتخصصات أكثر تعقيداً بالتعاون مع مختلف المنظمات الدولية المتخصصة. ومع اشتداد الأزمة بشكل خانق، اضطرت الدار إلى إغلاق بعض أقسامها، لاسيما قسم العناية الملطفة، والحفاظ على قسم العلاج الفيزيائي وإعادة التأهيل. ومنذ أشهر، أقر الدار خطة استراتيجية جديدة، خاصة مع ازدياد الأمراض النفسية والاضطرابات العصبية نتيجة الضغوطات الحياتية.

ويدعو معماري أهل طرابلس وجوارها، وأهل الخير في العالم قاطبة، إلى زيارة الدار للاطلاع عن كثب على جودة الخدمات واحترافيتها، معلناً استعداد “دار الزهراء” لتقبل أي نقد أو نصح، على قاعدة “الدين النصيحة”، وبما يؤدي إلى التطوير المستمر للعمل، خاصة أن العمل الإنساني مفتوح دائماً عل احتمالات التطوير والتحسين.
ويأسف المعماري لما آلت إليه حال المدينة على أكثر من صعيد، داعياً كبار متمولي المدينة إلى وضع استراتيجية لانتشال العاصمة الثانية مما هي فيه، والعمل على القضاء على الظواهر السلبية فيها، بما يحافظ على كرامة الناس ولو بحدها الأدنى.
نظرة مستقبلية متفائلة
وعلى عكس أغلب التحليلات المتشائمة، يبدو معماري متفائلاً بمستقبل البلاد، معتبراً أنه ربما يبدأ المسار التحسني مع نهاية العام المقبل، خاصة في ظل التصريحات الدولية التي تدفع بهذا الاتجاه، بما يعيد لبنان إلى الساحة العربية والدولية.
ويناشد معماري الطرابلسيين التخلص من التفكير السلبي، والعبور من قلب الأزمة إلى النهضة الشاملة، خاصة وأن أرقى الأمم شهدت أزمات مدمرة، واستطاعت الخروج منها واستعادة دورها على الساحة الدولية.
قسم “الفطام”:
تجربة رائدة واحترافية عالية
ويتميز “دار الزهراء” عن سواه من دور الرعاية، على مستوى الشمال على الأقل، بوجود قسم مختص بمعالجة الفطام، يضم أحدث المعدات على هذا الصعيد، ويديره طاقم طبي وتمريضي على أعلى درجات الاحتراف.
حول هذا القسم ودوره، تؤكد رئيسته د. لينا عبدو لـ”صفحات ميديا” أن رسالة القسم تدخل ضمن نطاق الصحة النفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، بل ربما تخطتها في ظل الأزمات والتحديات التي يتخبط بها اللبناني في هذه الأيام، وما تخلفه من أضرار جسيمة على المستوى النفسي والعصبي.

قسم الفطام والتأهيل النفسي
وتلفتت د.عبدو إلى أن القسم يستقبل الأشخاص الذين يعانون من مرض الفطام، واضطرابات المزاج، إضافة إلى اضطرابات ما بعد الصدمة وحالات الهلع الشديدة، دون أن ننسى الأشخاص المدمنين، وذلك في 21 غرفة مجهزة بأحدث الإمكانات الطبية واللوجستية.






أما ما يتميز به القسم عن أشباهه في المراكز الصحية فهو وجود ما يسمى “التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة RTMS، الذي يساعد في علاج بعض الأمراض النفسية كالكآبة وغيرها.
وشددت د.عبدو على أن أهمية هذا القسم تزداد في ظل غياب أقسام الأمراض النفسية عن مستشفيات طرابلس، خصوصاً بعد جائحة كورونا وما خلفته من آثار اجتماعية ونفسية متأتية عن البطالة والضغط النفسي الناجم عن البقاء لفترة طويلة في المنازل، مما عزز الحاجة إلى قسم متخصص في الأمراض النفسية.



باختصار، تقدم “دار الزهراء” تجربة متكاملة في العمل الإنساني الخيري في مدينة طرابلس، إن لناحية الجودة أو شمولية الخدمة، أو درجة الاحتراف والإتقان، رائدها في ذلك الحديث الشريف: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”، وتبقى الزيارة الميدانية أكبر دليل على ذلك.
