خاص – صفحات ميديا

في ظل الازمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها لبنان، وارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل، ولا سيما بين الشباب، لم يعد البحث عن نماذج تنموية جديدة خيارا، بل اصبح ضرورة وطنية. ومن بين النماذج التي اثبتت نجاحها في مختلف انحاء العالم، تبرز التعاونيات كوسيلة فعالة لتعزيز الانتاج، وخلق فرص العمل، وتحقيق تنمية اكثر عدالة واستدامة.
لقد اثبتت التجارب الدولية ان التعاونيات ليست مجرد اطار اجتماعي، بل هي مؤسسات اقتصادية قادرة على دعم المجتمعات المحلية، وتحسين مستوى الدخل، وتشجيع المبادرات الفردية والجماعية، وتعزيز الامن الغذائي والتنمية الريفية، الى جانب مساهمتها في ترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية المشتركة.
اما في لبنان، فعلى الرغم من وجود اطار قانوني ينظم عمل التعاونيات، فان هذا القطاع لم يحظ بالاهتمام الكافي الذي يمكنه من اداء دوره التنموي. فالتحديات التي تواجهه تتمثل في بعض التشريعات وضعف الامكانات الادارية، والحاجة الى تحديث اساليب الاشراف والمتابعة، اضافة الى محدودية التمويل والتدريب وضعف التسويق، وهي عوامل ادت الى تراجع دور العديد من التعاونيات وتعثر بعضها.
ان النهوض بالقطاع التعاوني لا يحتاج الى حلول معقدة بقدر ما يحتاج الى رؤية وطنية واضحة تتبناها الدولة بالتعاون مع القطاع الخاص والجامعات والبلديات وغرف التجارة والجهات المانحة. وتبدا هذه الرؤية بتحديث التشريعات بما يواكب المتغيرات الاقتصادية، وتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية، وتبسيط الاجراءات الادارية، واعتماد التحول الرقمي في ادارة التعاونيات، الى جانب توفير برامج تدريب وتاهيل للشباب والنساء، وتشجيع الابتكار وريادة الاعمال التعاونية.
كما ان من الضروري تطوير اليات تمويل ميسرة، واقامة شراكات تتيح للتعاونيات الوصول الى الاسواق المحلية والخارجية، بما يعزز قدرتها على المنافسة ويزيد من مساهمتها في الاقتصاد الوطني. فالتعاونيات الناجحة لا تقتصر على الانتاج، بل تسهم ايضا في تخفيض كلفة التسويق، وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات، وخلق فرص عمل مستقرة في مختلف المناطق، ولا سيما في الارياف والمناطق الاكثر حاجة الى التنمية.
ولا يقل اهمية عن ذلك ترسيخ ثقافة العمل التعاوني في المجتمع، من خلال ادراج مفاهيم الاقتصاد التعاوني في البرامج التعليمية، وتنظيم حملات توعية، وتشجيع المبادرات الشبابية، بما يسهم في بناء جيل يؤمن بقيم التعاون والمشاركة والانتاج.
ان التعاونيات ليست بديلا عن دور الدولة، بل شريكا اساسيا في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاقتصاد المنتج. وعندما تتوافر البيئة التشريعية والادارية المناسبة، وتلتقي الارادة الرسمية مع المبادرات المجتمعية، يصبح هذا القطاع قادرا على الاسهام بفاعلية في معالجة البطالة، ودعم الانتاج الوطني، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية.
ان لبنان يمتلك الطاقات البشرية والخبرات التي تؤهله لاستعادة دوره الاقتصادي، وما يحتاج اليه هو الاستثمار في النماذج التنموية القادرة على تحويل روح التعاون الى قوة انتاج، والثقة بالشباب ومنحهم الفرصة ليكونوا شركاء حقيقيين في بناء مستقبل اكثر ازدهارا وعدالة. فالتعاونيات ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل هي ثقافة عمل ومسؤولية، واحدى الركائز التي يمكن ان تسهم في اعادة بناء الاقتصاد اللبناني على اسس اكثر استدامة وانصافا.
أتمنى أن يحقق المقال الهدف الذي كتب من أجله، وأن يفتح بابا للنقاش حول تفعيل القطاع التعاوني باعتباره شريكا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في لبنان.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *