بينما تتجه الأنظار إلى الحلول المالية لمعالجة الأزمة اللبنانية، يصر رئيس غرفة طرابلس ولبنان الشمالي توفيق دبوسي على أن المدخل الحقيقي لإنقاذ الاقتصاد يبدأ من الاستثمار والإنتاج، لا من القروض والمساعدات. ومن هذا المنطلق، طرح رؤيته لمشروع «طرابلس الكبرى»، الذي يعتبره مشروعًا وطنيًا يتجاوز الحدود الإدارية لمدينة طرابلس، ليشمل الشمال اللبناني بأكمله ضمن منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على تحويل لبنان إلى منصة استثمارية وتجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
ويؤكد دبوسي في أكثر من مناسبة أن «طرابلس الكبرى ليست مشروعًا مناطقيًا، بل مشروع وطني يضع لبنان في قلب الاقتصاد الجديد لشرق المتوسط»، معتبرًا أن الموقع الجغرافي للشمال يمنحه فرصة تاريخية ليكون نقطة التقاء بين الأسواق العربية والأوروبية، إذا ما أُحسن استثمار هذا الموقع ضمن رؤية اقتصادية حديثة.
ولا تبدو هذه الرؤية بعيدة عن التوجه الرسمي الحالي. ففي زيارة وزير الاقتصاد والتجارة إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، جرى التأكيد على أن المنطقة تشكل «العمود الفقري لأي خطة تنموية في طرابلس والشمال»، من خلال ربطها بمرفأ طرابلس ومطار القليعات ومعرض رشيد كرامي الدولي، في إشارة واضحة إلى تبني مفهوم التكامل بين هذه المرافق.
إعداد: يعقوب نصرالله
يشكل مرفأ طرابلس حجر الأساس في رؤية دبوسي، إذ يعتبره البوابة البحرية الطبيعية للبنان نحو الأسواق الإقليمية. ويؤكد أن تطوير المرفأ وزيادة قدراته التشغيلية سيحولانه إلى مركز لحركة الحاويات وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، مستفيدًا من قربه من سوريا والعراق والأسواق العربية. ولا يقتصر دور المرفأ، وفق هذه الرؤية، على استقبال السفن، بل يصبح نقطة انطلاق لسلسلة إنتاج متكاملة، تنتقل فيها البضائع إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة للتعامل معها كما ينبغي، قبل إعادة تصديرها إلى الخارج، بما يخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني بدل الاكتفاء بعمليات الاستيراد والتفريغ التقليدية.
المنطقة الاقتصادية الخاصة… مصنع للاستثمار
ويضع دبوسي المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس في قلب مشروعه، معتبرًا أنها ستكون البيئة المثالية لاستقطاب الصناعات الحديثة، والشركات التكنولوجية، والخدمات اللوجستية، بفضل ما توفره من حوافز استثمارية وتشريعات خاصة.
وتتيح المنطقة إقامة مصانع للصناعات الغذائية والدوائية والخفيفة، ومراكز للتخزين وإعادة التوضيب والتصدير، الأمر الذي يخلق آلاف فرص العمل، ويحد من هجرة الشباب والكفاءات. ويؤكد دبوسي أن نجاح المنطقة الاقتصادية لا يقاس بعدد الشركات التي تستثمر فيها فقط، بل بقدرتها على الاندماج مع بقية المرافق الاقتصادية، لتتحول إلى المحرك لمنظومة «طرابلس الكبرى».
مطار القليعات… شريان للتصدير
ويحتل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات موقعًا محوريًا في الرؤية الاقتصادية لدبوسي، الذي يعتبر أن تشغيله ضرورة اقتصادية لا مطلبًا إنمائيًا فحسب.
فالمطار قادر على استقبال رحلات الشحن الجوي والركاب، ما يتيح تصدير المنتجات الزراعية الطازجة والصناعات الغذائية بسرعة إلى الأسواق العربية والأوروبية، ويشجع المستثمرين على اختيار الشمال قاعدة لأعمالهم. ويرى دبوسي أن المطار سيكمل عمل مرفأ طرابلس، ولن ينافس مطار رفيق الحريري الدولي، بل سيخفف الضغط عنه ويمنح الاقتصاد اللبناني منفذًا إضافيًا للنقل الجوي، خصوصًا في ظل تزايد الحاجة إلى سلاسل إمداد مرنة وسريعة.
معرض رشيد كرامي…
منصة للاستثمار العالمي
ولا يغيب معرض رشيد كرامي الدولي عن رؤية دبوسي، الذي يرى أن هذا الصرح العالمي الذي صممه المعماري البرازيلي الشهير أوسكار نيماير يجب أن يعود إلى دوره الأساسي كمركز للمعارض والمؤتمرات الاقتصادية والاستثمارية. فالمعرض، بحسب رؤيته، قادر على استضافة المنتديات الاقتصادية والمعارض الصناعية والتكنولوجية، وجذب رجال الأعمال والمستثمرين من مختلف دول العالم، ليصبح نافذة لبنان الاقتصادية على المنطقة، لا مجرد معلم معماري أو سياحي.
مصفاة النفط العراقي IPC
الطاقة التي تحتاجها الصناعة
وتشمل رؤية «طرابلس الكبرى» أيضًا مصفاة البداوي، باعتبار أن أي نهضة اقتصادية تحتاج إلى بنية طاقوية مستقرة.
ويرى دبوسي أن تطوير منشآت البداوي، وربطها بالقطاع الصناعي واللوجستي، سيخفض كلفة الإنتاج، ويمنح المستثمرين عنصرًا أساسيًا يفتقده لبنان منذ سنوات، وهو استقرار الطاقة.
فالاقتصاد الحديث، كما يؤكد، لا يقوم على المرافئ والمطارات فقط، بل يحتاج أيضًا إلى بنية تحتية تؤمن الكهرباء والطاقة للصناعة والخدمات.
سكة الحديد…
إعادة الحياة إلى النقل
ومن المشاريع التي يوليها دبوسي أهمية خاصة، إعادة تشغيل خط سكة الحديد في طرابلس، وربطه بمرفأ المدينة وبالحدود الشمالية.
ويرى أن السكك الحديدية ستحدث تحولًا جذريًا في قطاع النقل، إذ ستخفض كلفة نقل البضائع، وتسرع وصولها إلى الأسواق، وتخفف الضغط عن شبكة الطرق، كما ستعيد ربط لبنان بمحيطه العربي عندما تسمح الظروف الإقليمية بذلك.
الشمال… اقتصاد واحد
ولا تقتصر رؤية دبوسي على طرابلس وحدها، بل تشمل جميع أقضية الشمال. فالمنتجات الزراعية في عكار والضنية والمنية، والصناعات في الكورة وزغرتا، والسياحة في إهدن والبترون، تصبح جميعها جزءًا من دورة اقتصادية واحدة، تستفيد من المرفأ والمطار والمنطقة الاقتصادية وشبكات النقل والطاقة.
ويؤكد أن تكامل هذه المناطق سيخلق سوقًا اقتصادية موحدة، بدل استمرار العمل ضمن جزر اقتصادية معزولة، الأمر الذي يرفع الإنتاجية ويزيد جاذبية المنطقة أمام المستثمرين.
من الرؤية إلى التنفيذ
رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها لبنان، فإن مشروع «طرابلس الكبرى» لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل يتحول تدريجيًا إلى رؤية اقتصادية تستند إلى مقومات موجودة على الأرض ومشاريع بدأت تستعيد حضورها في النقاش الوطني.
فتفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، وإعادة وضع معرض رشيد كرامي الدولي على خارطة المعارض والمؤتمرات، والدفع باتجاه تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، إضافة إلى إعادة إحياء ملف سكة الحديد وتطوير منشآت البداوي، كلها خطوات تشكل حلقات مترابطة في بناء منظومة اقتصادية متكاملة.
وتكمن أهمية رؤية توفيق دبوسي في أنها لا تتعامل مع هذه المشاريع كملفات منفصلة، بل كأجزاء من اقتصاد واحد: مرفأ يستقبل حركة التجارة، منطقة اقتصادية تضيف قيمة صناعية وإنتاجية، مطار يفتح باب الشحن الجوي والأسواق الخارجية، سكة حديد تخفض كلفة النقل، وطاقة تؤمن استدامة النمو، فيما يشكل معرض رشيد كرامي منصة لاستقطاب المستثمرين والفعاليات الاقتصادية.
وإذا استكملت الخطوات المرتبطة بهذه المشاريع، وانتقلت من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ العملي، فإن طرابلس لن تكون فقط عاصمة الشمال، بل يمكن أن تستعيد دورها التاريخي كمدينة تجارة وصناعة وانفتاح على محيطها العربي والدولي.
