مبرا جزيني- الحدث
يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية، تتجاوز في تعقيدها الحسابات الداخلية لتتصل مباشرة بالتحوّلات الإقليمية وبالاستحقاقات السياسية في إسرائيل. ففي ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يبرز تخوّف متزايد من أن تتحوّل الجبهة اللبنانية إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي، خصوصًا إذا بقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قناعته بأن التصعيد العسكري يعزز صورته كزعيم قادر على فرض معادلات أمنية جديدة واستقطاب الناخب الإسرائيلي الذي يمنح الأولوية لقضايا الأمن.
لا يعني هذا الاحتمال بالضرورة أن قرار الحرب بات محسومًا، لكنه يرفع منسوب المخاطر، لأن أي حادث أمني محدود أو خطأ في التقدير قد يتدحرج سريعًا إلى مواجهة واسعة يصعب احتواؤها. في هذا السياق، يصبح لبنان أمام معادلة دقيقة، إذ إن تطوّراته الداخلية لم تعد وحدها العامل الحاسم في تحديد مسار الأحداث، بل باتت مرتبطة أيضًا بإيقاع الصراع الإسرائيلي-الإيراني وبحسابات القوى الدولية الساعية إلى منع انفجار إقليمي جديد.
تتحدث تقارير ديبلوماسية عن تقاطع مصالح بين أكثر من طرف عربي ودولي للحفاظ على الاستقرار اللبناني. فالمساعي التي يقودها المسؤولون اللبنانيون تتلاقى مع جهود سعودية وقطرية تهدف إلى تأمين شبكة أمان سياسية تحول دون انزلاق لبنان إلى حرب ثالثة مع إسرائيل. ويعكس هذا الحراك إدراكًا عربيًا بأن أي مواجهة جديدة لن تقتصر تداعياتها على لبنان، بل ستمتد إلى الأمن الإقليمي، وستهدد الاستثمارات ومسارات التهدئة التي تعمل عليها دول المنطقة منذ أشهر.
في صلب هذه الجهود، يبرز الرهان على إبقاء لبنان خارج أي مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل. لا تنبع المخاوف فقط من احتمال اندلاع الحرب، بل أيضًا من انعكاساتها السياسية، إذ إن انخراط “حزب الله” في أي جولة قتال بعنوان مساندة إيران قد يوفر للحكومة الإسرائيلية مبررات إضافية لتوسيع العمليات العسكرية، كما قد يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره يقود معركة وجودية ضد ما يصفه بمحور التهديد الإيراني.
في المقابل، يدرك لبنان الرسمي أن قدرته على تجنّب الحرب لا تعتمد فقط على موقفه السياسي، بل أيضًا على نجاح الجهود الديبلوماسية في إقناع جميع الأطراف بضرورة ضبط النفس. لذلك، ستشهد المرحلة المقبلة تكثيفًا للاتصالات الإقليمية والدولية بهدف تثبيت قواعد الردع ومنع أي احتكاك ميداني من التحوّل إلى حرب مفتوحة.
بذلك، يقف لبنان يقف مجددًا عند تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار أكثر من مجرد خيار داخلي، بل جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الانتخابات الإسرائيلية، والتنافس الإيراني-الإسرائيلي، والمساعي العربية والدولية لمنع الشرق الأوسط من الانزلاق إلى مواجهة جديدة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
