ليبانون ديبايت

تحوّل اختيار شخصية لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة إلى ما يُشبه الصراع الدولي على شكل النظام العالمي المقبل. فالمعركة التي تدور اليوم في الكواليس الدبلوماسية لا تتعلق باختيار شخصية تخلف أنطونيو غوتيريش، بقدر ما تعكس حجم الإشتباك بين القوى الكبرى على مستقبل التعددية الدولية، في ظل عالم يتجه تدريجياً نحو إعادة رسم خرائط النفوذ السياسي والإستراتيجي.

وترتدي هذه العملية أهمية استثنائية، لأنها تأتي في مرحلة غير مسبوقة من الإضطراب الدولي، حيث تتقاطع الحرب في أوكرانيا مع الحرب الأميركية ـ الإيرانية، فيما تتصاعد المنافسة الأميركية ـ الصينية، وتتمسك موسكو بدورها كلاعب رئيسي في النظام الدولي.

وفي موازاة ذلك، تتراجع ثقة الدول بقدرة الأمم المتحدة على إدارة الأزمات، بعدما بدا مجلس الأمن عاجزاً عن إنتاج حلول للنزاعات الأكثر خطورة.

وفي قراءة خاصة لـ”ليبانون ديبايت”، يؤكد المستشار في المفوضية الأوروبية الدكتور محيي الدين شحيمي، أن انتخاب الأمين العام المقبل لم يعد شأناً أممياً داخلياً، بل أصبح اختباراً سياسياً للنظام الدولي برمته، لأن هوية الفائز ستكشف حجم التفاهم أو الصدام بين القوى الكبرى خلال السنوات المقبلة.

ويشير شحيمي إلى أن آلية اختيار الأمين العام تجعل مجلس الأمن اللاعب الحاسم في هذا الإستحقاق، إذ لا يمكن لأي مرشح الوصول إلى المنصب إذا اصطدم بحق النقض الذي تمتلكه الدول الخمس الدائمة العضوية، لذلك، فإن المنافسة لا تُحسم بحجم التأييد داخل الجمعية العامة، بل بقدرة المرشح على اجتياز شبكة معقدة من الحسابات الجيوسياسية والتوازنات الدولية.

وبرأي شحيمي، فإن نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش تأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعدما كشفت الحرب الروسية ـ الأوكرانية، إلى جانب الحروب المستمرة في الشرق الأوسط، حدود قدرة الأمم المتحدة على التأثير في مسارات الأزمات الدولية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول فاعلية نظام الأمن الجماعي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، ومدى صلاحيته لمواجهة تحولات القرن الحادي والعشرين.

ويعتبر شحيمي أن التحدي الحقيقي أمام المنظمة لا يتمثل في اختيار دبلوماسي مخضرم أو شخصية تحظى بحضور دولي، بل في إيجاد أمين عام قادر على إدارة التناقضات بين واشنطن وموسكو وبكين، والحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية المنظمة، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع مصالح القوى الكبرى، ولهذا السبب، فإن فرص المرشحين تُقاس بقدرتهم على تحقيق التوافق أكثر مما تُقاس بسيرهم الذاتية أو خبراتهم السياسية.

والسباق الحالي وفق شحيمي، يفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة التي ستحدد وجه الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة، بدءاً من استمرار مبدأ التوازن الجغرافي في توزيع المنصب، مروراً بإمكان التوافق على شخصية تحظى بقبول متزامن من الولايات المتحدة وروسيا والصين، وصولاً إلى احتمال انتخاب أول امرأة تتولى منصب الأمين العام منذ تأسيس المنظمة، في خطوة قد تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الرمزي.

وفي موازاة الإستحقاق الإنتخابي، تواجه الأمم المتحدة تحديات داخلية لا تقل خطورة عن أزماتها السياسية، ويكشف شحيمي أن المنظمة تعيش ضغوطاً مالية وإدارية متزايدة، بالتزامن مع الحاجة إلى إعادة هيكلة مؤسساتها وتطوير آليات عملها لمواكبة تحديات الذكاء الإصطناعي، والأمن السيبراني، والتغير المناخي، والهجرة، والأوبئة، ما يجعل الأمين العام المقبل أمام ورشة إصلاح شاملة قد تحدد مستقبل المنظمة لعقود.

غير أن الأزمة الأخطر، وفق شحيمي، تبقى أزمة التعددية الدولية نفسها، فالشلل المتكرر داخل مجلس الأمن نتيجة الإستخدام المتواصل لحق النقض، وتعثر مشاريع إصلاح المنظمة، واتساع الفجوة بين الدول الكبرى والدول الصاعدة، كلها مؤشرات إلى أن الأمم المتحدة تواجه أزمة بنيوية تتجاوز الأشخاص، وتمس فلسفة النظام الدولي الذي أُنشئت على أساسه عام 1945.

ومن الناحية القانونية، يوضح شحيمي أن الأمين العام لا يمتلك صلاحيات تنفيذية تفرض التسويات أو تلزم الدول بقرارات محددة، إلاّ أن موقعه يمنحه أدوات دبلوماسية مؤثرة، من الوساطة وإطلاق المبادرات إلى تنبيه مجلس الأمن، استناداً إلى المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، إلى أي تهديد للسلم والأمن الدوليين، وهو ما يجعل شخصية الأمين العام وخبرته السياسية عنصرين حاسمين في فعالية المنظمة.

ويكشف شحيمي أن معركة خلافة غوتيريش تتجاوز حدود المنظمة الدولية، لأنها تشكل مؤشراً إلى طبيعة النظام العالمي الذي يتبلور اليوم، فالإستحقاق لا يتعلق فقط بمن سيجلس في الطابق الثامن والثلاثين من مقر الأمم المتحدة في نيويورك، بل بمن سيتمكن من إدارة التوازنات الدولية في مرحلة تتراجع فيها التعددية، ويتقدم فيها منطق الصراع على حساب التوافق، ما يؤشر إلى أن هوية الأمين العام المقبل ستكون انعكاساً مباشراً لشكل العالم الذي يتكون، أكثر مما ستكون مجرد نتيجة لانتخابات داخل مؤسسة دولية.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *