ما زال المسؤولون يضيّعون الوقت في إقرار قوانين هدفها إرضاء صندوق النقد الدولي، فيما القضية التي تهمّ اللبنانيّين فعلاً لا تزال خارج جدول الأولويات: الودائع وصناديق التعويضات. فبدلاً من البدء بتشخيص المشكلة والإجابة عن الأسئلة الأساسية التي طرحناها مراراً، نلتهي بأمور إن لم تضرّ لا تُفيد (مثلاً توسيع المرفأ مضرّ).
ونعرف أنّ المصرف المركزي يملك الإجابة عن كل ما نسأل، فلماذا يمتنع عن مصارحة اللبنانيّين، هل المصارف تملك معلومات عن المركزي يجعلها تتحكّم به وتمنعه عن ممارسة دوره الطبيعي؟
لا نريد أن نظلم أحداً، لذلك نطلب من المصارف التي تؤكّد استعدادها لتحمُّل المسؤولية والشفافية، أن تكشف حساباتها وتضع الحقائق أمام اللبنانيّين. فمن غير المقبول أن تبقى أموال الناس محتجزة منذ 7 سنوات، وأن يُطلب من أصحاب الحقوق الانتظار أكثر، من دون أن يعرفوا ماذا حصل بأموالهم، ومَن يتحمَّل مسؤولية ما جرى. فهل يُعقل أن يستمر أصحاب الحقوق في المعاناة، محرومين من الطبابة والتعليم والعيش بكرامة، فيما يبدو أنّ المسؤولين وأصحاب القرار المالي يعيشون ببحبوحة وبذخ؟ إلى متى سيستمر هذا الواقع؟
واليوم، يُراد لأصحاب الحقوق أن يتعاطفوا مع «مصارف متعثرة». لكن متى أعادت هذه المصارف الودائع حتى نَصفها بالمتعثرة؟
قبل الحديث عن أي إعادة هيكلة أو أي قانون جديد، يجب فتح دفاتر المصارف وحساباتها بالكامل أمام القضاء والرأي العام، وكشف كيف أُديرت أموال الناس، وكيف نُهبت، ومَن اتخذ القرارات، ومَن استفاد منها، ومَن يجب أن يتحمَّل المسؤولية المدنية والجزائية. فلا إصلاح قبل المحاسبة، ولا إعادة هيكلة قبل الحقيقة، وإلّا فإنّ كل التشريعات ليست سوى محاولة لتبييض صفحة من تسبَّبوا بأكبر عملية سطو مالي عرفها لبنان. العربوشعوب الشرق الأوسط
وبات واضحاً، أنّ إطالة أمد الأزمة لم تعُد مجرّد نتيجة للخلافات السياسية، بل تبدو وكأنّها سياسة مقصودة. فكل يوم يمرّ من دون حلول فعلية يعني مزيداً من استنزاف الاقتصاد، ومزيداً من هجرة الكفاءات، ومزيداً من تآكل قيمة الودائع. وكأنّ المطلوب إبقاء لبنان في حالة شلل دائم، خارج حركة الاقتصاد العالمي، لأنّ أي حلّ جدّي يبدأ بسؤال واحد لا يريد أحد الإجابة عنه: أين ذهبت أموال أصحاب الحقوق، ومَن يعيدها؟
أمّا استرضاء صندوق النقد الدولي، فلا يجوز أن يتحوَّل إلى عقيدة سياسية. فهذه المؤسسة نفسها كانت لسنوات تشيد بالسياسات النقدية التي اعتمدها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، ولم نسمع منها أي نقد لسياساته لا في الماضي ولا اليوم. وإذا استمرّينا في تنفيذ كل ما يُطلب منا بلا نقاش، فلا أحد يستغرب إن جاءنا غداً بطلب جديد يقول: أعيدوا رياض سلامة إلى منصبه، لأنّه أصبح جزءاً من «خطة الإصلاح»! إنّها سخرية، نعم، لكنّها تعكس حقيقة أنّ السياسات الدولية ليست منزّهة عن الأخطاء، وأنّ المعيار الوحيد الذي يجب أن يحكم أي إصلاح هو مصلحة لبنان وحقوق مودعيه، لا نيل شهادة حسن سلوك من المؤسسات الدولية
وفي سياق آخر، تمضي الحكومة في إقرار توسعة مرفأ بيروت، وتخصيص عقارات إضافية لهذا المشروع، من دون أن تعرض على اللبنانيّين دراسة جدوى اقتصادية متكاملة، أو رؤية وطنية تحدّد ما إذا كان الموقع الحالي هو الأنسب لمرفأ يشكّل شريان الاقتصاد اللبناني. فمنطقياً، كيف يُوسَّع مرفأ يقع في قلب مدينة تعاني أصلاً اختناقاً مرورياً، وتحيط به شبكة طرق عاجزة عن استيعاب الحركة الحالية، فكيف بالحركة المستقبلية؟ المرافئ ليست مشاريع عقارية، بل مشاريع استراتيجية ترتبط بالنقل واللوجستيات والتخطيط العمراني، وكان يفترض أن تسبق أي توسعة رؤية اقتصادية شاملة، لا قراراً إدارياً معزولاً. اشرحوا لنا كيف نُخرِج البضائع؟ اليوم لنعبر من منطقة إلى منطقة أخرى داخل بيروت نحتاج إلى ما يقارب الساعة وسيارة صغيرة لتتحرَّك داخل الشوارع المزدحمة، فكيف لشاحنات ضخمة أن تعبر شوارع بيروت، أم أنّ المطلوب إخراج البضائع عبر تاكسي التوك توك؟
ختاماً، نذكّركم دائماً أنّه من دون الشفافية المطلقة لن يتغيّر أي شيء ولن نصل إلى حلول فاعلة.
فادي عبود – الجمهورية
