قالت شبكة «سي إن إن» إن الاتفاق النووي المدني الجديد الذي وقّعته الولايات المتحدة مع السعودية، الأربعاء، يجسّد فلسفة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحكم، ويعكس نهجه القائم على إبرام الصفقات وتجاوز البروتوكولات والأعراف الدولية، مع إدخال عنصر جديد من عدم الاستقرار إلى منطقة شديدة الحساسية.
ورأت الشبكة، في تحليل معمّق، أن الاتفاق قد يساعد السعودية، على مدى 30 عامًا وبقيمة تبلغ مليارات الدولارات، في بناء قدرات لتخصيب اليورانيوم، فيما تعتبره الإدارة الأميركية مكسبًا من 3 جوانب: اتفاق يفي بأعلى معايير منع الانتشار النووي، ودفعة كبيرة لقطاع الصناعة النووية الأميركية، وتعزيز العلاقات مع حليف استراتيجي.
وكانت واشنطن تمهّد لإبرام اتفاق نووي مدني مع السعودية منذ ما لا يقل عن عقد، رغم أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن كانت تميل إلى فرض شروط أكثر صرامة.
وأشارت الشبكة إلى أنه في حال امتنعت الولايات المتحدة عن إبرام الاتفاق، فإن منافسين مثل الصين كانوا سيسارعون إلى اقتناص الصفقة مع المملكة، بما يمنحهم موطئ قدم جيوسياسيًا في المنطقة.
وفي هذا السياق، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، في تصريحات لقناة «فوكس بيزنس» الأربعاء، إن سياسة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط ارتكزت على «التجارة، لا الصراع».
في المقابل، لفتت الشبكة إلى أن منتقدين، بينهم كثيرون في إسرائيل، يخشون أن تفضي الاتفاقية في نهاية المطاف إلى تمكين السعودية من تخصيب اليورانيوم بدرجات نقاء مرتفعة تكفي لصنع قنبلة نووية، ما قد يشعل سباق تسلح إقليميًا.
وأوضحت أن الرياض تؤكد أنها لن تسعى إلى امتلاك سلاح نووي ما لم تقدم إيران على ذلك، إلا أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تدفع دولًا مثل مصر أو تركيا إلى انتهاج المسار نفسه.
وأُبرمت الاتفاقية بموجب قانون أميركي يسمح بنقل التكنولوجيا النووية الأميركية مع منع انتشار الأسلحة النووية، فيما أعلنت وزارة الطاقة، الأربعاء، أنها تتضمن ترتيبًا ثنائيًا للضمانات.
واعتبرت الشبكة أن ذلك يؤكد تقارير تحدثت عن أن السعودية قد لا تكون ملزمة بالانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يفرض إجراءات تفتيش ورقابة أكثر صرامة.
ورأت أن هذا الأمر قد يشكل سابقة تسمح لدول أخرى بالالتفاف على القيود الدولية عند إبرام اتفاقيات نووية خاصة بها، وربما مع خصوم للولايات المتحدة، بما يفرغ الضمانات النووية من مضمونها.
وفي هذا الإطار، نقلت الشبكة عن مديرة سياسات عدم الانتشار في «رابطة الحد من التسلح» كيلسي دافنبورت قولها إن «الاتفاق بحد ذاته كان متهورًا وغير مسؤول، إلا أن تداعياته الأوسع قد تستمر لسنوات مقبلة».
كما أوردت تصريحات مدير السياسات الأول في «مركز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي» جون إيراث، الذي قال إن غياب بروتوكولات الوكالة الدولية للطاقة الذرية القياسية، والتي كانت مدرجة في اتفاق نووي مدني أميركي أُبرم مؤخرًا مع الإمارات، قد يشكل «مشكلة كبيرة للغاية».
وأضاف إيراث، في تصريحات لزميله في شبكة «سي إن إن» جيم شوتو، أن هذه المعايير ضرورية لضمان «عدم انخراط المملكة العربية السعودية في أنشطة تخصيب قد تؤدي إلى امتلاك قدرات لإنتاج أسلحة نووية».
ويثير توقيت الاتفاق بدوره تساؤلات، إذ يتزامن مع أحدث خطوات التصعيد التي اتخذها ترامب في الحرب ضد إيران، والتي يبررها بضرورة منع طهران من امتلاك قنبلة نووية.
وتأمل الإدارة الأميركية أن يعزز الاتفاق ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة، من خلال توثيق العلاقات مع السعودية، إلا أن منح حلفاء واشنطن حق تخصيب اليورانيوم، في مقابل حرمان خصومها منه، قد يفرض ضغوطًا كبيرة على اتفاقيات منع الانتشار النووي، كما قد يدفع إيران إلى البحث عن شركاء جدد.
وأضافت الشبكة أن مهمة التفاوض على اتفاق نووي مع إيران كانت محفوفة بالمخاطر أساسًا، وربما جعلتها الإدارة الأميركية أكثر تعقيدًا بموافقتها على اتفاق طويل الأمد مع السعودية، لأن طهران ستطالب حتمًا بامتيازات مماثلة في مجال التخصيب.
واعتبرت أن الاتفاق السعودي ليس أول مخاطرة يقدم عليها ترامب في الشرق الأوسط من دون إدراك كامل لتداعياتها المستقبلية، مشيرة إلى أن ميله إلى التخلي عن الأعراف القائمة، وتجاهل الاتفاقات الدولية، واتباع نهج يزعزع الاستقرار، يبدو في كثير من الأحيان غاية بحد ذاته.
وأضاف التقرير أن الرئيس الأميركي يحرص أيضًا على انتهاج سياسات معاكسة لتلك التي اتبعها أسلافه، موضحًا أن معظم الإدارات الأميركية الحديثة سعت إلى تجنب الحرب مع إيران، بينما مزق ترامب الاتفاق الدولي الذي كان يقيد برنامجها النووي، واغتال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني خلال ولايته الأولى، وقصف منشآتها النووية العام الماضي، ثم شن حربًا شاملة ضد الجمهورية الإسلامية في شباط.
كما أشار التقرير إلى أن الإدارات الأميركية الحديثة خلصت إلى أن ضمان أمن إسرائيل يمر عبر الدفع نحو حل الدولتين مع الفلسطينيين، في حين منح ترامب الإسرائيليين المجال للقضاء على هذا الطموح، من خلال سياسات متشددة في قطاع غزة والضفة الغربية.
ولفت أيضًا إلى تعهد ترامب هذا العام بإلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للجماعات المسلحة، وهو التصنيف المفروض منذ عام 1979، مستندًا إلى صداقته مع الرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي كان يتزعم سابقًا جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة».
وأشار إلى أن منتقدين رأوا أنه كان ينبغي استغلال تغيير التصنيف للضغط من أجل تنفيذ إصلاحات سياسية، وتعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة الجماعات المسلحة.
وفي السياق ذاته، أوضحت الشبكة أن ترامب كسر أيضًا النهج التقليدي في التعامل مع السعودية، بعدما دأب الرؤساء الأميركيون على إدارة العلاقة مع المملكة ودول الخليج بحذر شديد، نظرًا إلى كونها حليفًا استراتيجيًا يتبنى في الوقت نفسه سياسات قمعية تتعارض مع القيم الديمقراطية.
أما ترامب، فيبدي إعجابًا واضحًا بالحكام العرب الأقوياء، ويرى في دولهم الغنية والصاعدة فرصًا تجارية تمتلك فيها عائلته مصالح اقتصادية كبيرة.
وفي معرض تفسيرها لهذا النهج، أشارت الشبكة إلى أن مؤيدي ترامب يرون، عن حق، أن عقودًا من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لم تحقق الاستقرار، ويؤكدون أنه يتخذ خطوات عجز عنها الرؤساء السابقون.
ورغم ذلك، رأت الشبكة أن الحرب مع إيران تكشف بوضوح مخاطر هذا النهج، إذ إن الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في الخروج من حرب أعلن ترامب الانتصار فيها مرارًا، تفسر سبب تردد الرؤساء السابقين في الانخراط المباشر في صراع شامل.
وأضافت أن منتقدين من الحزب الديمقراطي يتهمون الرئيس بتجاهل عوامل سياسية وتاريخية وأيديولوجية كانت تشير إلى أن إيران لن ترضخ للضغوط الأميركية، معتبرين أنه لم يطرح أسئلة جوهرية حول ما سيلي أي هجوم أميركي، بما في ذلك احتمال سعي طهران إلى إغلاق مضيق هرمز.
ويجسد هذا الصراع نمطًا متكررًا، يتمثل في أن الخطط التي توضع في واشنطن كثيرًا ما تتعثر عند اصطدامها بواقع الشرق الأوسط.
كما أشارت الشبكة إلى أنه رغم العلاقات الوثيقة التي تجمع ترامب وأعضاء إدارته بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فإن متانة العلاقات الأميركية السعودية ليست مضمونة على المدى الطويل.
ولفتت إلى أنه لا يوجد ما يضمن عدم وصول حكام أكثر تشددًا إلى السلطة مستقبلًا، في منطقة تعاني باستمرار من عدم الاستقرار بسبب الجماعات الإسلامية المسلحة.
وقالت كيلسي دافنبورت إن «الشريك الحالي للولايات المتحدة ليس بالضرورة شريكًا لها في المستقبل، لذا فبمجرد نقل التكنولوجيا، لا يمكن للولايات المتحدة أن تضمن احتفاظها بالسيطرة عليها».
وأكدت الشبكة أن ترامب يبدو في الغالب غير مكترث بما سيحدث بعد مغادرته منصبه، معتبرة أن إحدى عباراته المفضلة، وهي «سنرى ما سيحدث»، تكتسب دلالة مقلقة بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.
