باسمة عطوي- ليبانون ديبايت
مع عودة التوتر السياسي والعسكري إلى المنطقة، ومع تحوّل مضيق هرمز بفعل الجغرافيا والسياسة إلى أحد أبرز أوراق القوة الجيوسياسية في يد إيران، صار التلويح بإغلاقه كفيلا بهز أسواق الطاقة العالمية وإجبار العواصم الكبرى على إعادة حساباتها، وبدأت الدول المعنية بحركة التجارة في المضيق بالبحث عن بدائل ووسائل لإضعاف جدواه الاقتصادية والإستراتيجية وتجريده من قدرته على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة.
فهل سينجحون بذلك، وكم من الوقت سيستغرق تحقيق هذا الامر؟
تشير التقديرات إلى أن البدائل الحالية لا تستطيع استيعاب سوى جزء محدود من النفط الذي يمر عبر هرمز، لذلك سيبقى المضيق أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم لسنوات طويلة. وبالنظر إلى أن الحرب الحالية أدت بالفعل إلى انخفاض حركة الملاحة وارتفاع المخاطر على السفن، فإنها قد تُسرّع تنفيذ هذه المشاريع، لكنها لا تجعل هرمز يفقد أهميته في المستقبل القريب.
على الصعيد النفطي تشكلت ملامح خريطة جديدة لنقل الطاقة لتجاوز المضيق جزئيا، تبرز فيها خطوط أنابيب “شرق-غرب” السعودية الممتدة من حقول النفط شرقا إلى ينبع على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تبلغ 5 ملايين برميل يوميا مع خطة لرفعها إلى 7 ملايين، وخط “حبشان-الفجيرة” الإماراتي الذي ينقل نفط أبوظبي مباشرة إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان خارج نطاق المضيق بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميا.كما أعادت هذه الصدمة مشاريع إقليمية مؤجلة إلى الطاولة، أبرزها أنبوب نفط العراق نحو ميناء العقبة الأردني، وتوسيع استخدام خط كركوك-جيهان مع تركيا.
أما البدائل عن هرمز خلال السنوات القادمة، فيمكن تصور المسار على ثلاث مراحل:
خلال سنة إلى ثلاث سنوات: ستعتمد الأسواق على إجراءات مؤقتة، مثل زيادة استخدام خطوط الأنابيب الموجودة في السعودية والإمارات، وتخزين كميات أكبر من النفط، وتنويع مصادر الاستيراد. لكن هذه البدائل لا تستطيع نقل سوى جزء من الكميات التي تمر عبر هرمز.
خلال ثلاث إلى سبع سنوات: إذا استمرت المخاطر الأمنية، ستتسارع مشاريع خطوط الأنابيب إلى موانئ البحر الأحمر وبحر العرب، وقد تتوسع مشاريع الربط عبر تركيا أو إسرائيل أو سلطنة عمان بحسب التطورات السياسية. كما ستزداد استثمارات الدول الآسيوية في أمن الطاقة ومصادر الطاقة البديلة.
خلال عشر سنوات أو أكثر: قد تتراجع أهمية هرمز نسبياً، لكنها لن تختفي. حتى مع اكتمال مشاريع الأنابيب، ستبقى دول مثل الكويت وقطر معتمدة بدرجة كبيرة على المضيق، خصوصاً في صادرات الغاز الطبيعي المسال، وهو أصعب في تحويل مساراته من النفط.
ولا تعني هذه المشاريع الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز، إذ تؤكد التقارير المتخصصة عجز المسارات الحالية عن استيعاب كامل الكميات الضخمة المارة عبره، لكنها تمنح المنتجين والمستهلكين هامش مناورة حيويا وأمانا أكبر وقت الأزمات.
ماذا عن خطوط نقل البضائع و التجارة الدولية؟
تبقى أهمية مضيق هرمز بالنسبة للتجارة العالمية أكبر وأكثر تعقيداً في بعض الجوانب. إذ تمر عبر المضيق سفن تحمل الحاويات التي تنقل السلع الاستهلاكية والإلكترونيات والملابس، السيارات وقطع الغيار، المواد الغذائية والحبوب، المواد الخام والكيماويات، معدات المصانع والآلات. والبدائل عن “هرمز” موجودة لكنها ليست بدائل كاملة. فالموانئ على بحر العرب مثل ميناء الفجيرة في الإمارات وميناء الدقم في سلطنة عمان تقع خارج مضيق هرمز، ويمكن نقل البضائع إليها براً من داخل بعض دول الخليج، لكن ذلك يتطلب شبكات لوجستية واسعة ويزيد الكلفة.
كما أن الممرات البرية والسكك الحديدية، مثل مشروع سكة حديد الخليج أو الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، قد تخفف الاعتماد على النقل البحري مستقبلاً، لكنها لن تحل محله بالكامل، كما أن بعضها لا يزال في مراحل التطوير أو يعتمد على استقرار سياسي طويل الأمد. وطرق بحرية بديلة تعني عملياً الالتفاف حول شبه الجزيرة العربية، لكنها لا تعوض هرمز للدول الواقعة داخل الخليج، لأن سفنها تحتاج أصلاً إلى الخروج من الخليج عبر المضيق.
ماذا يعني ذلك للبنان؟
إذا تعرض مضيق هرمز لإغلاق طويل أو لاضطرابات متكررة، فقد يواجه لبنان، ارتفاعاً في كلفة الشحن والتأمين البحري، تأخيراً في وصول البضائع، ارتفاع أسعار السلع المستوردة، حتى لو لم تكن قادمة من الخليج مباشرة، لأن كلفة النقل العالمية ترتفع. ضغوطاً تضخمية على الاقتصاد نتيجة زيادة تكاليف الاستيراد.
في الخلاصة على المدى المنظور، من المرجح أن تبقى أهمية المضيق التجارية كبيرة خلال العقدين المقبلين على الأقل، لأن إنشاء بدائل برية أو بحرية يحتاج إلى استثمارات ضخمة، واتفاقات سياسية، وبنية تحتية لا يمكن إنجازها بسرعة. وهذا يقود إلى نتيجة مهمة وهي حتى لو نجحت دول الخليج في تقليل اعتمادها على هرمز لتصدير النفط، فإن التجارة العالمية ستظل مرتبطة بالمضيق بدرجة كبيرة، لأن حركة البضائع لا تملك حتى الآن بديلاً يوازي كفاءة النقل البحري عبره. ولذلك، فإن أي توتر أمني في المضيق ينعكس سريعاً على أسعار الشحن العالمية وسلاسل الإمداد، وليس فقط على أسعار النفط
مع عودة التوتر السياسي والعسكري إلى المنطقة، ومع تحوّل مضيق هرمز بفعل الجغرافيا والسياسة إلى أحد أبرز أوراق القوة الجيوسياسية في يد إيران، صار التلويح بإغلاقه كفيلا بهز أسواق الطاقة العالمية وإجبار العواصم الكبرى على إعادة حساباتها، وبدأت الدول المعنية بحركة التجارة في المضيق بالبحث عن بدائل ووسائل لإضعاف جدواه الاقتصادية والإستراتيجية وتجريده من قدرته على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة.
فهل سينجحون بذلك، وكم من الوقت سيستغرق تحقيق هذا الامر؟
تشير التقديرات إلى أن البدائل الحالية لا تستطيع استيعاب سوى جزء محدود من النفط الذي يمر عبر هرمز، لذلك سيبقى المضيق أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم لسنوات طويلة. وبالنظر إلى أن الحرب الحالية أدت بالفعل إلى انخفاض حركة الملاحة وارتفاع المخاطر على السفن، فإنها قد تُسرّع تنفيذ هذه المشاريع، لكنها لا تجعل هرمز يفقد أهميته في المستقبل القريب.
على الصعيد النفطي تشكلت ملامح خريطة جديدة لنقل الطاقة لتجاوز المضيق جزئيا، تبرز فيها خطوط أنابيب “شرق-غرب” السعودية الممتدة من حقول النفط شرقا إلى ينبع على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تبلغ 5 ملايين برميل يوميا مع خطة لرفعها إلى 7 ملايين، وخط “حبشان-الفجيرة” الإماراتي الذي ينقل نفط أبوظبي مباشرة إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان خارج نطاق المضيق بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميا.كما أعادت هذه الصدمة مشاريع إقليمية مؤجلة إلى الطاولة، أبرزها أنبوب نفط العراق نحو ميناء العقبة الأردني، وتوسيع استخدام خط كركوك-جيهان مع تركيا.
أما البدائل عن هرمز خلال السنوات القادمة، فيمكن تصور المسار على ثلاث مراحل:
خلال سنة إلى ثلاث سنوات: ستعتمد الأسواق على إجراءات مؤقتة، مثل زيادة استخدام خطوط الأنابيب الموجودة في السعودية والإمارات، وتخزين كميات أكبر من النفط، وتنويع مصادر الاستيراد. لكن هذه البدائل لا تستطيع نقل سوى جزء من الكميات التي تمر عبر هرمز.
خلال ثلاث إلى سبع سنوات: إذا استمرت المخاطر الأمنية، ستتسارع مشاريع خطوط الأنابيب إلى موانئ البحر الأحمر وبحر العرب، وقد تتوسع مشاريع الربط عبر تركيا أو إسرائيل أو سلطنة عمان بحسب التطورات السياسية. كما ستزداد استثمارات الدول الآسيوية في أمن الطاقة ومصادر الطاقة البديلة.
خلال عشر سنوات أو أكثر: قد تتراجع أهمية هرمز نسبياً، لكنها لن تختفي. حتى مع اكتمال مشاريع الأنابيب، ستبقى دول مثل الكويت وقطر معتمدة بدرجة كبيرة على المضيق، خصوصاً في صادرات الغاز الطبيعي المسال، وهو أصعب في تحويل مساراته من النفط.
ولا تعني هذه المشاريع الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز، إذ تؤكد التقارير المتخصصة عجز المسارات الحالية عن استيعاب كامل الكميات الضخمة المارة عبره، لكنها تمنح المنتجين والمستهلكين هامش مناورة حيويا وأمانا أكبر وقت الأزمات.
ماذا عن خطوط نقل البضائع و التجارة الدولية؟
تبقى أهمية مضيق هرمز بالنسبة للتجارة العالمية أكبر وأكثر تعقيداً في بعض الجوانب. إذ تمر عبر المضيق سفن تحمل الحاويات التي تنقل السلع الاستهلاكية والإلكترونيات والملابس، السيارات وقطع الغيار، المواد الغذائية والحبوب، المواد الخام والكيماويات، معدات المصانع والآلات. والبدائل عن “هرمز” موجودة لكنها ليست بدائل كاملة. فالموانئ على بحر العرب مثل ميناء الفجيرة في الإمارات وميناء الدقم في سلطنة عمان تقع خارج مضيق هرمز، ويمكن نقل البضائع إليها براً من داخل بعض دول الخليج، لكن ذلك يتطلب شبكات لوجستية واسعة ويزيد الكلفة.
كما أن الممرات البرية والسكك الحديدية، مثل مشروع سكة حديد الخليج أو الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، قد تخفف الاعتماد على النقل البحري مستقبلاً، لكنها لن تحل محله بالكامل، كما أن بعضها لا يزال في مراحل التطوير أو يعتمد على استقرار سياسي طويل الأمد. وطرق بحرية بديلة تعني عملياً الالتفاف حول شبه الجزيرة العربية، لكنها لا تعوض هرمز للدول الواقعة داخل الخليج، لأن سفنها تحتاج أصلاً إلى الخروج من الخليج عبر المضيق.
ماذا يعني ذلك للبنان؟
إذا تعرض مضيق هرمز لإغلاق طويل أو لاضطرابات متكررة، فقد يواجه لبنان، ارتفاعاً في كلفة الشحن والتأمين البحري، تأخيراً في وصول البضائع، ارتفاع أسعار السلع المستوردة، حتى لو لم تكن قادمة من الخليج مباشرة، لأن كلفة النقل العالمية ترتفع. ضغوطاً تضخمية على الاقتصاد نتيجة زيادة تكاليف الاستيراد.
في الخلاصة على المدى المنظور، من المرجح أن تبقى أهمية المضيق التجارية كبيرة خلال العقدين المقبلين على الأقل، لأن إنشاء بدائل برية أو بحرية يحتاج إلى استثمارات ضخمة، واتفاقات سياسية، وبنية تحتية لا يمكن إنجازها بسرعة. وهذا يقود إلى نتيجة مهمة وهي حتى لو نجحت دول الخليج في تقليل اعتمادها على هرمز لتصدير النفط، فإن التجارة العالمية ستظل مرتبطة بالمضيق بدرجة كبيرة، لأن حركة البضائع لا تملك حتى الآن بديلاً يوازي كفاءة النقل البحري عبره. ولذلك، فإن أي توتر أمني في المضيق ينعكس سريعاً على أسعار الشحن العالمية وسلاسل الإمداد، وليس فقط على أسعار النفط
