العميد منير شحادة- ليبانون ديبايت
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث تنعقد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، تبدو الطاولة التفاوضية أبعد ما تكون عن المكان الذي تُصنع فيه القرارات النهائية. فالمفاوضات تجري فيما تعود المواجهة الأميركية الإيرانية إلى واجهة الأحداث، لتفرض على المنطقة معادلات جديدة، وتجعل أي تفاهم محلي رهينة للتوازنات الإقليمية.
إن قراءة جولة روما بمعزل عن هذا المشهد الواسع تُفضي إلى استنتاجات ناقصة. فما يجري ليس مجرد نقاش حول ترتيبات أمنية أو إجراءات ميدانية أو آليات تنفيذ لاتفاق الإطار، بل هو فصل من صراع أكبر يتجاوز لبنان وإسرائيل إلى إعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.
لقد قامت التفاهمات التي رعتها واشنطن خلال الأشهر الماضية على فرضية أن الإقليم يتجه نحو احتواء الصراعات، وأن بالإمكان تثبيت الجبهة اللبنانية بالتوازي مع إدارة الملفات الأخرى. أما اليوم، فإن عودة التصعيد الأميركي الإيراني تضع تلك الفرضية أمام اختبار قاسٍ، لأن الاتفاقات التي تولد في مناخ التهدئة غالبًا ما تهتز عندما يعود الاحتكام إلى القوة.
من هنا، تبدو واشنطن معنية قبل أي شيء آخر بمنع تحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة اشتباك واسعة. فالإدارة الأميركية لا ترغب في خوض مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة في وقت واحد، ولذلك تسعى إلى تثبيت الحدود الجنوبية، ولو بصورة مؤقتة، ريثما تتضح صورة المواجهة مع إيران. وبهذا المعنى، فإن جولة روما قد تكون جزءًا من سياسة إدارة الأزمة أكثر مما هي مدخل إلى تسوية نهائية.
أما إسرائيل، فترى في هذه المفاوضات فرصة لترجمة الضغوط الدولية إلى ترتيبات أمنية تمنحها هامشًا أوسع من الاستقرار على حدودها الشمالية، وتخفف من احتمالات المواجهة، مع المحافظة على أكبر قدر ممكن من حرية الحركة العسكرية.
لكن المعضلة الحقيقية تكمن في الداخل اللبناني. فالدولة اللبنانية تفاوض باسم لبنان، إلا أن قدرتها على تنفيذ أي ترتيبات أمنية تبقى مرتبطة بواقع ميداني أكثر تعقيدًا. فالسلاح والقرار العسكري ليسا محصورين بمؤسسات الدولة ، خاصة بعد تصنيف الجناح العسكري في حزب الله خارجاً عن القانون ، ما يخلق فجوة بين ما يمكن للوفد اللبناني أن يلتزم به على طاولة المفاوضات، وبين ما يمكن تطبيقه عمليًا على الأرض. وهذه الفجوة كانت ولا تزال أحد أبرز التحديات التي تواجه أي اتفاق يتعلق بالجنوب.
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت السلطات اللبنانية إلى التشديد على حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز دور المؤسسات الشرعية، في حين بقيت القدرات العسكرية لـحزب الله عنصرًا مؤثرًا في معادلة الردع والميدان. وبغض النظر عن المواقف السياسية المتباينة من هذا الواقع، فإن أي مقاربة تفاوضية تتجاهل هذه الحقيقة تواجه تحديًا عمليًا يتعلق بآليات التنفيذ ومدى قدرة الدولة على ترجمة التزاماتها على الأرض.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: فكلما تعمقت المفاوضات في تفاصيل أمنية دقيقة، ازدادت الحاجة إلى بيئة سياسية وإقليمية مستقرة تضمن تنفيذها. أما إذا اتسعت رقعة المواجهة الأميركية الإيرانية، فإن الأولويات العسكرية ستتقدم على النصوص والاتفاقات، وقد تصبح نتائج الميدان هي التي تحدد مستقبل التفاهمات، لا العكس.
اقتصاديًا، لن يكون لبنان بمنأى عن تداعيات هذا التحول. فالاستثمارات ستزداد حذرًا، وكلفة المخاطر سترتفع، وستتراجع فرص التعافي في بلد لم يخرج أصلًا من أزمته المالية. وكلما طال أمد التوتر، ازداد ارتباط أي دعم دولي بالحسابات الجيوسياسية، بدل أن يكون مرتبطًا فقط بالإصلاحات الداخلية.
لقد أثبتت التجارب أن الاتفاقات في الشرق الأوسط لا تُقاس بما يُكتب في نصوصها، بل بميزان القوى الذي يحميها. وإذا كانت الحرب تعود اليوم لتفرض إيقاعها على المنطقة، فإن من الصعب الاعتقاد بأن أي تفاهم يُنجز في روما سيكون بمنأى عن نتائجها.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا سينتج عن جولة روما؟ بل: هل تملك الحكومة اللبنانية وحدها مفاتيح تنفيذ ما قد يُتفق عليه؟ وهل تستطيع أي صيغة تفاوضية أن تنجح إذا بقيت عناصر القوة الفعلية، وحسابات الردع، والتوازنات الإقليمية تتحرك خارج إطار الطاولة؟
قد تحمل الأيام المقبلة بعض الإجابات، لكن الثابت أن لبنان يدخل مرحلة جديدة تتقاطع فيها الحرب والدبلوماسية، وتتشابك فيها المفاوضات مع موازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون طاولة التفاوض سوى انعكاس لما يجري خارجها، لأن خرائط الشرق الأوسط تُرسم أولًا في الميدان، ثم تُنقل لاحقًا إلى قاعات التفاوض.
