صبحي حسين عبد الوهاب الهندي/ حقوقي ومستشار

الحلقة الأولى

” أَكثرُ ما ينقص لبنان: لا شبكةُ مياه، ولا شبكةُ طرقات، ولا شبكةُ كهرباء، بل شبكةُ مواطنين يَنذُرُون جهودهم للخير العام ويعملون معاً لِـحَلّ مسائلَ عالقةٍ أَبرزُها تحسينُ الوضع الاقتصادي وترقيةُ الإنسان.

فإِذا لم ينشأْ تغييرٌ في عقلية النُّخَب اللبنانية الشابّة، وإِذا لم تَلفَح البلادَ ريحٌ جديدة تأْتي من ثورة ثقافية وخُلُقية، فسوف يكون النمُوُّ هشاً، ولن يكون للبنان أَن يحقِّق دورَه المحلّي في التماسُك الداخلي، ولا دورَه الوطنيّ الأَوسَع مركزاً للحضارة.

إِنّ مبرّر وجودِ لبنان واستمرارِه مستوىً إِنسانِـيٌّ، يخسر كل فاعليته، إِذا تقزّم إِلى الفردانية الأَنانية الشخصية. ولن ينقذ روحَ لبنان وحضورَه إِلاّ العملُ الوطني الجماعي”. 

من تقرير “الإِنماء في لبنان: حاجات وإِمكانات” لرئيس بعثة “إِيرفِد” الأَب لوبريه إلى وزارة التصميم اللبنانية عام 1960

طرابلس المعروفة كأفقر مدينة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط

صفحات ميديا

تواجه مدينة طرابلس ومنطقة لبنان الشمالي ، أكثر من أية مناطق لبنانية أخرى، ظروق إقتصادية وإجتماعية بالغة التعقيد، وهي نتاج لغياب التنفيذ التطبيقي لأية خطة إنمائية شاملة، تعتمد رؤية متكاملة، حول كيفية تحقيق النهوض وتجاوز الركود المزمن، على مختلف الصعد، وتساعد على إنحسار معوقات التنمية وتراجع مؤشرات النمو،  ويدفعنا هذا المناخ الإقتصادي الإجتماعي المتسم بالسلبية في غالب الأحيان الى التشديد على أهمية وضرورة تأمين إستقرار سياسي وأمني راسخين وناجزين، كمداخل لا غنى عنها لتعزيز ركائز تطوير وتحديث دورة الحياة الإقتصادية في هذه المرحلة التاريخية المجتمعية التي نمر بها وتستدعي أكثر من أي وقت مضى العمل على بلورة رؤية إنمائية تعطي قوة دفع للحركة الإنتاجية، ورفع منسوب الإستثمارات سواء أكانت من الداخل أو من الخارج، والأهم من ذلك الحد من سعي الشرائح الشابة من النسيج الإجتماعي الى الهجرة، التي تؤدي الى جانب عوامل أخرى الى زعزعة ثقة المجتمع الدولي في غد لبنان المشرق إقتصادياً وإجتماعياً من خلال موارده البشرية التي تستوعبها مختلف بلدان الشتات، خصوصاً أن أحد أهم المرافق الحيوية المتمثل بمرفأ طرابلس بات في جهوزية من خلال رصيفه المستحدث لإستقبال الحاويات والمنطقة الإقتصادية الخاصة بطرابلس التي تشكل مشروعاً واعداً فيما إذا أحسنت إدارته بعقلية القطاع الخاص.

وبالرغم من مرور الزمن على عدد من الحركات المطلبية فإن طرابلس ولبنان الشمالي  يحتاجان إلى إعادة تشغيل محركات الإنماء الأساسية لإقتصادهما في مختلف مرافقهما ومؤسساتهما التجارية والصناعية والزراعية والسياحية بهدف إبراز مواطن القوة وكذلك الصورة الحقيقية لتلك القطاعات ولخصائصها المتنوعة وأهليتها للقيام بدور مميّز كفيل بإحداث إصلاح حقيقي وشامل بروح السعي المتواصل لتحقيق التطلعات المستقبلية في النهوض الإقتصادي والتقدم الإجتماعي.

وتحملنا قراءة واقع الحال الى الإقرار بأن القطاع الخاص يعاني من الإختلالات التي يصاب بها من جراء المناخ العام غير المؤاتي إجمالاً وغير المشجع على الإطلاق،  ويميل الى السلبية، مما يشكل سبباً أساسياً وجوهرياً يحد من قدراته وتضيق معه فرص نموّه مما يدفعه الى الإحجام والإمتناع عن المبادرة، إلا أنه وبالرغم من كل هذه المعوقات التي تلقي بثقلها على ديناميكيته وتطلعاته، بقي محافظاً على مقوماته الأساسية، رافداً الإقتصاد الوطني بنفحات حافظت على إستمراره أحياناً ودفعت بنموّه قدماً أحياناً أخرى، وهو لا يزال ينتظر ولادة قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص للدخول في مرحلة جديدة عنوانها إيجاد “بيئة حاضنة للتنمية والنمو” إذ لا تزال الهيئات والفاعليات السياسية والإقتصادية والإجتماعية ومنظمات المجتمع المدني تقف مكبلةً أمام متطلبات التنمية والنهوض الإقتصادي بكل مستلزماتهما.

الرئيس رشيد كرامي خلال أحد اللقاءات

وبالعودة الى الذاكرة التاريخية السياسية والإقتصادية لمحاولات ومبادرات الإنماء، على نطاق مدينة طرابلس، فقد دعا المغفور له الرئيس رشيد كرامي الى إجتماع تم إنعقاده في 19/5/1965 وكان حينذاك خارج الحكم خلال عهد الرئيس شارل الحلو، الى إطلاق الى مبادرة تفضي الى إنشاء حركة مطلبية في وجه الدولة وذلك عبر إقتراح لأحمد رشاد الملك  وكان حينذاك مديراً لغرفة التجارة والصناعة في طرابلس يقضي بتأسيس جمعية عنوانها “الإنماء الإقتصادي والإجتماعي في الشمال” وكان نقاش المبادرة قد تمحور في  إجتماع إستضافه الدكتور جورج فضول في فندق “المنتزه” وسبقه إجتماع تحضيري تم فيه تكليف الأستاذ عمر مسقاوي (الذي سيصبح في المرحلة المعاصرة وزيراً للأشغال والنقل البحري)، لإعداد بيان بنتيجة المداولات التي دارت حول مطالب المجتمعين الآيلة الى إنماء الشمال عموماً وطرابلس خصوصاً ويعلن عن إنشاء الجمعية المذكورة، إلا أن البيان المنتظر لم يصدر لأن الرئيس رشيد كرامي قد إقترح عقد إجتماع مصغر في مقر غرفة التجارة والصناعة برئاسة نجيب المنلا حينذاك وحضور بعض الفاعليات منهم ممدوح النملي ومحمد حسين الصوفي وهاشم غندور، وعمر مسقاوي الذي أورد هذه الوقائع في مقال له نشر على صفحات “الدوائر” / حرمون الصادرة يوم الأحد الواقع فيه  20/10/2002 / السنة الرابعة / العدد رقم  153. والجدير بالإشارة في هذا السياق الى أن الأستاذ مسقاوي كان قد نشر على صفحات “الإنشاء الغراء” محفوظات صحيفة وهي الموثق لذاكرة هذا الحدث الإقتصادي والإنمائي.

الرئيس رياض الصلح في طرابلس

ويعتبر “الإنماء”  في الأساس هماً وطنياً تحاصره الطائفية والعشائرية وغياب التخطيط وهذا ما سجله “فان زيلند”( 1893- 1973) لرئيس الحكومة رياض الصلح (18941951)،  حينما زار لبنان في العام 1940 بدعوة تهدف الى البحث بكيفية تحقيق النهوض بالأوضاع الإقتصادية والإجتماعية وهي المقولة العالمية التي كانت سائدة خلال الحرب الكونية الثانية بالقول :

“Comment voulez-vous réformer l’économie d’un pays où même les fruits ont une religion : la pomme étant maronite, la vigne catholique, l’olive orthodoxe, l’orange sunnite, le tabac chiite et la figue druze ?” La question fut posée par l’économiste belge Paul Van Zeeland, convié au Liban au terme de la Seconde Guerre mondiale pour proposer des pistes de relance.

“Au-delà de la caricature, ce constat est d’une lucidité exceptionnelle”, estime Nicolas Chammas, président de l’Association des commerçants de Beyrouth. “Le régime politique étant figé autour du principe confessionnel, il entrave l’évolution du système économique, empêchant toute tentative sérieuse de réforme de l’Etat ou de renouvellement des élites.”

Cet avis est partagé par l’économiste Jad Chaabane. “Le régime confessionnel entrave la concurrence, permettant et légalisant l’existence de monopoles, explique-t-il. Il va à l’encontre même des lois du marché, des droits de l’homme et de l’efficacité gouvernementale. Le pays demeure dans une logique autodestructrice, car le régime confessionnel pèse lourd sur l’économie.” Selon ses calculs, effectués à partir du budget 2012, les paiements directs aux tribunaux religieux [de chaque communauté, chargés du droit privé] représentent 16 millions de dollars, tandis qu’un mariage civil obligatoire permettrait à la société d’économiser 5,6 millions de dollars par an. En outre, 111 millions de dollars sont versés aux écoles gratuites privées [confessionnelles], soit 12 % du budget de l’éducation et de l’enseignement supérieur, tandis que 96 % du budget du ministère des Affaires sociales est alloué à des ONG [des associations confessionnelles]. Au total, cela représente 242 millions de dollars en transferts directs, soit 1 % du PIB.

Par ailleurs, dans une étude publiée l’année , l’économiste avait démontré que le système coûte en moyenne 114 000 dollars par an à chaque Libanais. Près de 3 milliards de dollars, soit 9 % du PIB, sont dépensés pour couvrir les coûts liés au système confessionnel. Selon Jad Chaabane, “16 % des fonctionnaires représentent un fardeau supplémentaire engendré par le système confessionnel”. De plus, les politiciens exercent des pressions pour éviter que leurs partisans, de la même confession, payent leurs factures. Les pertes ainsi engendrées s’élèveraient chaque année à 67,5 millions de dollars dans le secteur de l’eau et à 150 millions dans celui de l’électricité.

 وكان تقرير بعثة “إيرفد” المشهورة، التي ترأسها الأب الفرنسي الدومينكاني لويس جوزيف لوبريه (1897- 1966)  Louis-Joseph Lebret،  والذي لعب دور مستشار في الشؤون الإنمائية للرئيس الراحل فؤاد شهـاب ( 1902- 1973)  بين الأعـوام 1960 ـ 1964 وضمت بعثته عدداً من الخبراء الفرنسيين من معهد البحوث:

Institut international de recherche et de formation en vue du développement harmonisé (IRFED),

قد كشف منذ بداية الستينات، (بعد مسح طويل ودقيق)، التفاوت الصارخ في مستوى العيش في لبنان، بين الفئات والمناطق والطوائف، وأنذرت بإنفجارات إجتماعية يُتوقّع حصولها في المدى القريب، إذا لم تتم إصلاحات جذرية تؤدي إلى نمو متكامل. أما الخطة الإنمائية الشمالية التي وضعتها البعثة بمشاركة العديد من الاقتصاديين اللبنانيين، فقد أعطت تحليلاً موضوعياً للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية العامة حيث بيّنت في تقرير لها من 900 صفحة أن مجموعة ضئيلة من اللبنانيين في حدود 6% تحصل على ما يوازي 94% من الدخل القومي السنوي، وأن 94% من اللبنانيين، يحصلون على 6% من الدخل القومي السنوي، وكانت المرة الأولى التي وضع فيها مخطط شامل لأراضي لبنان وسكانه ونشاطه الاقتصادي.

ولم تعد طرابلس تشهد أية إهتمامات رسمية إنمائية، الى أن تم الإعلان عن حاجات مدينة طرابلس الى العديد من المشاريع الإنمائية في الرابع (4) من آب 2002 وتلته محطات أخرى تمحورت جميعها حول ضرورة وأهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإطلاق المشاريع الإنمائية وقد أكد اللقاء الطرابلسي (المغفور له الرئيس عمركرامي والنواب: محمد عبداللطيف  كبارة ومحمد الصفدي) الإعتماد على لجنة مصغرة لدراسة الأولويات.

من مؤتمر انماء طرابلس

ومن ثم جاء الخامس والعشرين (25) من شهر  أيلول/ سبتمبر من  العام 2002 وبدعوة من المغفور له الرئيس رفيق الحريري إنعقد في السراي الحكومي “مؤتمر إنماء طرابلس” حيث شارك فيه 350 مدعواً وتضمن أوراق عمل لمشاريع إنمائية متنوعة رافقتها تساؤلات حول دور المدينة على مختلف الصعد، ولكن عناوين المشاريع المطروحة آنذاك كانت عناوين خدماتية بشكل عام، وهي لذلك لم تستطع تحقيق إنماء إقتصادي – إجتماعي يؤثر في مجمل قطاعات المدينة ويعيد رسم دورها لا سيما أن عملية التنمية تحتاج الى مشروع متكامل يتسلح بنظرة علمية تتطلع الى مستقبل واعد تراعى فيه إحتياجات المدينة لربع قرن قادم لا تضطر معه المدينة بعد عامين أو ثلاثة أو خمسة أن ترتفع فيها الأصوات مجدداً للمطالبة بالإنماء.

وجاء الثلاثين من حزيران / يونيو 2008 ليتم الإعلان  الرسمي عن إطلاق “إستراتيجية تنمية مدن بلديات الفيحاء في فندق الكواليتي إن” برعاية من رئيس مجلس الوزراء الأستاذ فؤاد السنيورة .

وفي الثاني (2) من أيلول/ سبتمبر من العام 2008 ، إجتمع الرئيس السنيورة بقيادات طرابلس ونوابهــــا وفاعلياتها حيث لفت بقوله “إننا لن نقلب الأوضاع بشكل سحري لكننا نسعى للمعالجة”.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *