يشكّل ملف تعويضات نهاية الخدمة أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019، فالقيمة الفعلية لهذه التعويضات تآكلت بشكل غير مسبوق، بينما تكبدت الشركات خسائر ضخمة نتيجة تجميد ودائعها واحتياطها بالدولار في المصارف.
وبين حقوق الموظفين وعجز الدولة والشركات عن الإيفاء بالتزاماتها، يبرز سؤال جوهري: من يتحمّل المسؤولية والخسائر وكيف يمكن إيجاد حل عادل ومستدام؟
في هذا السياق، كشف البروفيسور فؤاد زمكحل، رئيس الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين وعميد كلية إدارة الأعمال، لـ«إرم بزنس»، وجود فجوة كبيرة بين المتقاعدين قبل وبعد شباط 2024، موضحاً أسباب عجز الشركات والدولة عن تغطية التعويضات، إلى جانب طرحه مقترحات توزيع الخسائر بين الموظف والشركة والدولة، مع دعوة لإشراك المصرف المركزي في إيجاد السيولة اللازمة.
فقدت معظم قيمتها
وقال زمكحل إن ملف تعويضات نهاية الخدمة «شائك جداً»، وأفاد بأن الموظف بحسب القانون يأخذ آخر معاش مضروباً بعدد سنوات الخدمة، مضيفاً أن الشركات الخاصة تدفع سنوياً ما يقارب 7% من المعاش لصندوق التعاضد للضمان الاجتماعي، وتأخذ احتياط الفرق كودائع في المصارف علاجات، «هذه الأموال دفعتها الشركات بالليرة اللبنانية وفق القانون، لكنها اليوم فقدت قيمتها بعد انهيار العملة، وخسرت حوالي 95% من قيمتها الفعلية».
خسائر فادحة في احتياطات الشركات
وأشار رئيس الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال إلى أن الشركات اللبنانية كانت تضع احتياطات لتغطية تعويضات نهاية الخدمة، مبيناً أن هذه الاحتياطات وُضعت بالدولار الأميركي في المصارف التجارية اللبنانية، لكن قيمتها أيضًا تبخرت مع الأزمة.
وأردف: «القسم الثاني من تعويضات نهاية الخدمة الذي وضعته الشركات كاحتياط في المصارف اللبنانية خسر أكثر من 85% من قيمته».
فجوة بين المتقاعدين قبل وبعد 2024
وأوضح زمكحل أن الموظفين الذين تقاعدوا قبل شباط 2024 تقاضوا تعويضاتهم على أساس أسعار صرف متدنية، في حين سيُحتسب تعويض من يتقاعد بعد هذا التاريخ على أساس 89,500 ليرة للدولار، والتي تتكون في معظمها من مساهمة الشركة «وهو ما يخلق فجوة كبيرة وظلمًا واضحًا للجميع».
وأكد أن معظم تعويضات نهاية الخدمة فقدت نحو 95% من قيمتها نتيجة انهيار الليرة. وأوضح أن الشركات كانت تحتفظ بالاحتياطيات بالدولار في المصارف، لكنها خسرت أكثر من 85% من قيمتها، ما خلق فجوة كبيرة بين المتقاعدين قبل وبعد فبراير 2024.
وذكر أن المشكلة تكمن في أن الشركة ملزمة بتغطية الفرق بين احتياطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المختلفة المتراكمة على مر السنين، وبالمعدلات المذكورة، علاوة على ذلك، سيحصل جميع الموظفين الذين تقاعدوا قبل 14 فبراير 2024 على تعويضات مُستهلكة بالكامل وهذا ظلم، بحد تعبيره.
ولفت رئيس الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين إلى أن الموظف من حقه المطالبة بتعويض نهاية الخدمة، لكن الأهم يبقى في كيفية تمويله.
وأكد قائلًا: «اليوم لا يوجد أي شركة في لبنان قادرة على تغطية هذه الخسائر بشكل كامل، فمعظم الشركات تفتقد السيولة وحتى الدولة اللبنانية نفسها لا تملك الإمكانيات المالية لتنفيذ التزاماتها بهذا الشكل».
توزيع الخسائر على ثلاثة أطراف
وأوضح زمكحل أن الفكرة المطروحة تقوم على توزيع المسؤولية وليس تقسيم الخسائر، مشيرًا إلى أن المقترح ينص على أن يتحمل الموظف ثلث التعويض، والشركة ثلثًا آخر، والدولة الثلث الأخير.
وأضاف: “كأننا نتحدث عن توزيع نهاية الخدمة باحتساب سعر صرف الدولار على ثلاثة مستويات: 15 ألف ليرة للموظف، 50 ألفاً للشركة، و89 ألف ليرة على الدولة، هذا هو الإطار المطروح، لكن لا شيء جدي حتى الآن، إذ يحتاج الأمر إلى قرار من مجلس النواب”.
وأردف زمكحل أنه يجب كذلك السماح للشركات بإعادة تقييم أصولها بحسب سعر الصرف الجديد وعدم تحميلها ضرائب على الفرق، لأنها أرباح وهمية وأن تتضمن الموازنة العامة تسوية حسابات عادلة عن السنوات السابقة حتى العام 2023.
