اللامركزية الإدارية في لبنان هي طوق النجاة
المواطن شريك في الخدمة لا «خصم» في الأزمة
مطمر النفايات يغلق في آب.. والأبنية المتصدعة قنبلة موقوتة
أن تكون رئيساً لبلدية طرابلس، فهذا يعني أن تكون قادراً على تحمل ضغوطات هائلة، والسير بين نقاط الخلاف على تعددها وتنوعها.
وأن تكون رئيساً لبلدية «الفيحاء» في الظروف الراهنة، فهذا يعني أن تكون ساعياً على الأقل لتحقيق إنجازات «بفلس الأرملة»، لتجد نفسك واقعاً بين مطرقة «النق» الشعبي، وسندان الأزمات الوطنية الكبرى.
في خضم أمواج الأزمات التي تتعاقب على طرابلس كأمواج بحر هائج، يقف الدكتور عبد الحميد كريمة على رأس سفينة البلدية، يحاول أن يجذف بثبات بين صخور الإمكانات المحدودة ومد الاحتياجات الجماهيرية المتصاعد.
إنّ حكم البلدية في طرابلس أشبه بحكم من يمشي على حبل مشدود بين سحاب الأماني وواقع الإمكانات الضيقة. فما هي حصيلة عام العمل الأول في هذا الموقع الملغوم؟
حوار معمّق لرئيس التحرير مع رئيس بلدية طرابلس ، كشف عن واقع المدينة الجريح، وعن طموحاتها التي لا تموت، وعن إرادة لا تنكسر وإن تكسرت عصا الدعم الرسمي.
حاوره رئيس التحرير
خلال حديث شامل مع رئيس بلدية طرابلس الدكتور عبد الحميد كريمة، أبدى أنه كان، والمجلس البلدي المنتخب، عازماً على العمل مننذ اللحظة الأولى: «فمنذ استلامنا مهامنا في المجلس البلدي الذي تشكل من اللائحتين المتنافستين «رؤية طرابلس» و «نسيج طرابلس» عكفنا على التخطيط لمجموعة مشاريع بالتعاون مع شركة «انتليجايل» لإطلاق استراتيجية بلدية طرابلس للعامين 2025-2026. ولكن للأسف، منذ الأشهر الأولى توالت الأزمات في المدينة، بدءاً بملف الأبنية المتصدعة، مروراً بالحرب التي شنت في لبنان آنذاك وما رافقها من نزوح وملفات إنسانية، ما أدى إلى اختلاف الأولويات».
وعليه، يتابع د.كريمة، فقد كانت السنة الماضية سنة لإدارة الأزمة، أكثر منها سنة للتخطيط والعمل الاستراتيجي.
ورغم ذلك، تمكنت البلدية، من إعداد مجموعة من المشاريع التي سيجري إطلاقها لاحقاً.
وعن التكامل مع مؤسسات المدينة الفاعلة، شدد كريمة على أنه يمكن الكلام عن «نموذج رائع من التعاون بين البلدية وكافة المؤسسات، خاصة بعد تشكيل مجالس إدارتها الجديدة، ونخص بالذكر غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي بشخص رئيسها توفيق دبوسي، الذي كان يلعب دوراً هاماً على صعيد تمويل عدد من المشاريع في ظل غياب الدولة، خاصة وأن «يد البلدية وحدها لا تصفق»، بسبب ضعف الإمكانات على غير صعيد.
ملفات شائكة
ويأسف كريمة لكون البلدية لم تستلم قرشاً واحداً من الصندوق البلدي المستقل، ما أدى إلى أن تقع كلفة رفع النفايات على المواطنين في نهاية المطاف من خلال «مرسوم استرداد الكلفة « الذي صدر مؤخراً.
أما عن كيفية احتساب كلفة رفع النفايات، فقد أشار كريمة إلى أن ذلك تم بناء على دراسة ربطته بالحد الأدنى للأجور، على أن تتم جباية أربعة إلى خمسة دولارات شهرياً، وهي كلفة في متناول الجميع.
ودعا كريمة الى بناء الثقة المتبادلة بين المواطن والبلدية سعياً لتقديم الخدمات بأفضل طريقة ممكنة، معلناً أن البلدية بصدد إعداد دفترالشروط الخاص بعملية جمع النفايات، تمهيداً لتلزيم على أسس علمية صحيحة.
وكشف كريمة أنه سيجري إغلاق مطمر طرابلس نهائياً مع نهاية شهر آب المقبل، نظراً لوصوله إلى طاقته الاستيعابية القصوى، وعليه، فإن اتحاد بلديات الفيحاء، يعكف على دراسة مجموعة من الحلول، منها نقل النفايات إلى منطقة أخرى، إضافة إلى تحويل قطعتي أرض متاخمتين للمدينة إلى مطمرين صحيين، علاوة على حل يجري العمل عليه، ولكنه قد يتطلب بعض الوقت، وهو بناء معمل متكامل للنفايات، خاصة في ظل وجود هبة كويتية لتشغيل معمل الفرز، إضافة إلى العمل على معالجة المواد العضوية، وهو ما قد يستغرق حوالي السنتين، سيتم أثناءهما العمل على إيجاد مكب بديل.
أما بالنسبة إلى إمكانية إقامة محارق، فقد لاحظ كريمة أنه في كل مرة كانت هناك شكوك حول صفقات مشبوهة تقف خلف هذا الملف، وبالتالي لم يطرح مرة على أسس علمية صحيحة، طارحاً جملة تساؤلات حول التوعية الاجتماعية والقدرة على ضبط الضرر الصحي الناتج عنها.
و المشكلة أساسية التي تعيق أي جهود للحل، هي مركزية التمويل حصراً من خلال الحكومة.
أزمة السير…الحلول ممكنة
أما على صعيد أزمة السير، فقد أعلن كريمة أنه بدأ العمل على دفتر شروط خاص بالعدادات، على أن تتم مصادقته من الجهات الرسمية، آملاً أن يؤدي ذلك إلى وقف «التشبيح» على الأرصفة والمساحات العامة، وبما يؤمن مداخيل لبلدية تمكنها من المضي في مشاريع أخرى.
وشدد على أنه في غياب حل لأزمة المواقف العمومية، فإننا عبثاً نحاول حل أزمة السير، مشدداً على إعادة إحياء مشروع «مرآب التل» مع دولة قطر مؤخراً.
وأشار إلى العمل على مشروع متكامل لإشارات المرور في المدينة، مما يحسن من انسيابية السير. أما «مشكلة المشاكل» فهي فوضى الدراجات النارية و»التوكتوك»، داعياً إلى تضافر جهود مختلف المعنيين بهذا الملف، بدءاً بالقوى الأمنية، على غرار ما جرى في بيروت.
إمكانات واعدة

فيما خص الأسواق الداخلية، المتحف الحي الذي يميز طرابلس، فقد لفت كريمة إلى مشروع مشترك مع «منظمة الهجرة الدولية» و»اليونيسف» و»صندوق الأمم المتحدة الإنمائي»، يتضمن عشرة تدخلات على مستوى المدينة ككل، بينها ثلاثة في الأسواق الداخلية.
أما مشروع وسط المدينة، فهو يشكل العصب الأساسي لمختلف المشاريع الأخرى: ويقوم المشروع على تحويل منطقة وسط المدينة إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط، واعداً بإعادة تسليط الاهتمام نحو المدينة بمجرد انتهاء الحرب الدائرة في الجنوب.
وناشد المواطنين وتجار الأسواق الداخلية التعامل البناء مع البلدية بما ينعكس إيجابياً على الجميع.
أما على صعيد إزالة البسطات، فقد أبدى كريمة أسفه للتغطية التي يتمتع بها أصحابها من جهات متعددة، معلناً في المقابل عزمه المضي على معالجة الملف بصورة شاملة وعلمية وحازمة، وهذا ما جرى بالفعل عند «دوار أبو علي» حيث تمت إزالة البسطات بصورة تامة ونهائية، آملاً أن يسري ذلك على مختلف المناطق المتاخمة لنهر أبو علي.
الإرث الثقافي… من نعمة إلى نقمة
و في ما يتعلق بمشروع «الإرث الثقافي»، فقد ذكَّر كريمة أن ما رسم على الورق مختلف تماماً عما تم على أرض الواقع، مما حوله من نعمة إلى نقمة.
وأشار إلى دراسات متعددة للاستفادة من سقف النهر في إقامة ملاعب رياضية، ستكون باكورتها مع منظمات دولية عدة.
أما عن منطقة «المولوية» فقد تم تزفيتها نظراً لأهميتها السياحية الكبيرة، كما تتم إعادة دراسة المنطقة لتتضمن مساراً سياحياً واضحاً من القلعة باتجاه الأسواق الداخلية بالتعاون مع بلديات تركية.
وفيما يتصل باللامركزية الإدارية ودورها في تنشيط الإنماء البلدي، فقد دعا الرئيس إلى المزيد من الاستقلالية على المستويين الإداري والمالي، ما يسهل أي عمل مستقبلي.
القنبلة الموقوتة
وعلى صعيد الموضوع الأخطر في المدينة، ملف الأبنية المتصدعة، شدد د.كريمة على أن الداتا الخاصة بهذا الملف تم إعدادها بالتعاون مع نقابة المهندسين، لافتاً إلى الكشف على 900 مبنى حتى الآن، مع الإحاطة بكافة التقارير الهندسية ذات الصلة، إضافة إلى دفع بدلات إيواء لما يقارب 800 عائلة، بالتوازي مع إعداد دراسات بالتعاون مع شركة «خطيب وعلمي» المكلفة من قبل مجلس الإنماء والإعمار، للمباني التي تحتاج التدعيم، وتلك التي ستؤول إلى الهدم التام، تمهيداً لاستصدار قرارات خاصة بهذا الشأن.
وكمواظن طرابلسي، يرى د.كريمة أن هناك مؤشرات غير مريحة، بسبب الأزمات المتلاحقة بدءاً من عام 2019، خاصة في ظل غياب الدولة عن معالجة بنيوبة لهذه المشكلات. في المقابل، وربما يخفف من ذلك وجود بعض المؤشرات الإيجابية، منها إعادة تنشيط بعض المرافق الأساسية كعرض رشيد كرامي الدولي والمرفأ، وما يتوقع من فتح مطار القليعات، وإمكانية استعادة العمل في مصفاة طرابلس… وهذا ما يدل على أن طرابلس الكبرى ستكون أمام فرصة اقتصادية كبيرة، في ظل اقتناع الدولة بدور هذه المدينة. والمهم أن يقتنع الطرابلسي بنفسه وبما يمكن ان يقدمه لنفسه ولمدينته.

