تواجه فرنسا واحدًا من أخطر حرائق الغابات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، مع اقتراب النيران من منطقة بوردو في جنوب غرب البلاد، وإجلاء نحو 260 ألف شخص من منازلهم، وسط تحذيرات من توسع الحريق بفعل موجة حر جديدة قد ترفع درجات الحرارة إلى 40 درجة في بعض المناطق.
وبحسب تقرير نشره موقع “N12” الإسرائيلي، يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقد اجتماع طارئ لمناقشة الأزمة والإجراءات المطلوبة لمواجهتها، في وقت يواصل آلاف عناصر الإطفاء والأمن والجيش محاولاتهم للسيطرة على النيران برًا وجوًا.
ويتركز الحريق الرئيسي في منطقة جيروند جنوب غرب فرنسا، بعدما اندلع خلال الأسبوع الماضي، والتهم حتى الآن نحو 42 ألف دونم من الأراضي، وهي مساحة قال التقرير إنها تزيد 4 مرات على مساحة باريس، ما يجعله واحدًا من أكبر حرائق الغابات في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية.
ومنذ بداية العام، أتت الحرائق في فرنسا على نحو 98 ألف دونم، فيما تواصل النيران تمددها في جيروند على مسافة لا تتجاوز 15 كيلومترًا من نقاط الدخول إلى منطقة بوردو الحضرية.
وقال رئيس بلدية بوردو توما كازناف إنه لا توجد، في الوقت الراهن، خطط لإجلاء المدينة نفسها، التي يبلغ عدد سكانها نحو 268 ألف نسمة، إلا أن السلطات تراقب تطورات الوضع عن كثب.
وأوضح كازناف أن النيران باتت “على أبواب المنطقة الحضرية” لبوردو، التي يعيش فيها نحو مليون شخص، محذرًا من أن السلطات تخوض سباقًا مع الوقت، ولا سيما في ظل توقعات بعودة موجة الحر إلى فرنسا.
ووفق توقعات الطقس، قد تصل درجات الحرارة ابتداءً من يوم الثلاثاء إلى 40 درجة في بعض المناطق، فيما يُتوقع أن تسجل بوردو نحو 37 درجة، الأمر الذي يزيد من صعوبة السيطرة على الحريق ويهدد بتوسعه.
وأجبرت الحرائق حتى الآن قرابة 260 ألف شخص على مغادرة منازلهم في فرنسا، بينهم أكثر من 220 ألف شخص في جنوب غرب البلاد وحده، من السكان والزوار.
وحُوّل مركز للمعارض في بوردو إلى مأوى طارئ للنازحين، حيث يوفر أسرّة وطعامًا لآلاف الأشخاص، بينهم مئات المسنين الذين أُجلوا من دور الرعاية.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن الوضع لا يزال “سلبيًا للغاية”، واصفًا الحريق في جيروند بأنه أصبح “عنيفًا وغير متوقع إلى حد كبير”.
وأوضح أن الحريق ولّد رياحه الخاصة، وبدأ ينتشر بطريقة غير منتظمة في اتجاه منطقة بوردو، ما يعقّد عمليات الإطفاء ويجعل من الصعب تحديد مسار النيران مسبقًا.
وعلى الرغم من خطورة الوضع، أفادت السلطات بأن الحريق بقي خلال الليلة الماضية “مستقرًا بصورة عامة”، من دون تسجيل عمليات إجلاء طارئة جديدة.
ودُفع بنحو 2500 عنصر إطفاء إلى منطقة جيروند، بينهم فريق من سويسرا، إلى جانب نحو 1500 جندي و1200 شرطي للمشاركة في مواجهة الحريق وتأمين المناطق المهددة.
ومنذ يوم الأربعاء، أُصيب 84 عنصر إطفاء، بينهم 10 استدعت إصاباتهم نقلهم من موقع الحريق لتلقي العلاج.
وتواجه فرق الإطفاء تحديًا استثنائيًا يتمثل في ظاهرة طبيعية نادرة نشأت بفعل الحريق نفسه، تُعرف باسم “البيروكومولونيمبوس”، وهي سحابة عاصفة ضخمة تتكون نتيجة الحرارة والدخان المتصاعدين من النيران.
وأعلن الاتحاد الوطني لرجال الإطفاء في فرنسا أن هذه الظاهرة معروفة في دول مثل أستراليا وكندا، لكنها لم تُشاهد من قبل في فرنسا.
وشبّه المتحدث باسم الاتحاد إريك بروكاردي مواجهة الحريق بـ”معركة بين داود وجالوت”، في إشارة إلى ضخامة النيران مقارنة بالإمكانات المستخدمة للسيطرة عليها.
وأوضح أن الحريق يصنع رياحه ودواماته الخاصة، ويتحرك في اتجاهات يصعب توقعها، مشيرًا إلى أن السيطرة عليه قد تتطلب هطول أمطار غزيرة لمدة 3 أيام، أو محاولة توجيه النيران نحو منطقة يمكن أن تضعف فيها تلقائيًا، مثل اتجاه البحر.
وحذرت السلطات السياح من التوجه إلى منطقة جيروند ما دام الحريق خارج السيطرة، كما دعت الموجودين فيها إلى التفكير في الانتقال إلى وجهة أخرى.
وتخشى السلطات بصورة خاصة من تأثير الحرائق على الموسم السياحي، الذي يستعد لبلوغ ذروته خلال شهر آب، في ظل إجلاء أعداد كبيرة من السكان والمصطافين وإغلاق مناطق واسعة أمام الحركة.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الدولة ستواصل دعم المجتمعات المتضررة من الحرائق على المدى الطويل.
وكتب ماكرون في منشور خلال عطلة نهاية الأسبوع أن فرنسا “ستعيد البناء، وتُصلح، وستبقى موجودة طالما كان ذلك ضروريًا”.
ومن المقرر أن يبحث ماكرون مع الحكومة، خلال اجتماع الطوارئ، تطورات الحرائق والخطوات المطلوبة للتعامل مع الأزمة المتفاقمة.
ووصف رئيس بلدية سيستاس، وهي إحدى المناطق القريبة من بوردو، الحريق بأنه “بحجم لم نشهد مثله من قبل”، في وقت أُجلي فيه آلاف الأشخاص من منازلهم وأماكن إقامتهم السياحية في المنطقة.
ولا تقتصر أزمة الحرائق على فرنسا، إذ تواجه إسبانيا بدورها موجة واسعة من النيران أجبرت أكثر من 116 ألف شخص على مغادرة منازلهم خلال الأيام الأخيرة، فيما طُلب من نحو 30 ألف شخص آخرين البقاء داخل منازلهم.
وفي منطقة فالنسيا شرق إسبانيا، اندلع حريق جديد بالقرب من المدينة الساحلية، ما دفع السلطات إلى إجلاء نحو 15 ألف شخص.
وقالت السلطات إن الحريق كان “شديدًا للغاية”، محذرة من أن الظروف الجوية مرشحة للتدهور خلال الفترة المقبلة.
وأوضح وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن الحرائق لا تزال تتقدم، وإن كان بوتيرة بطيئة.
من جهته، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارته منطقة الحريق في مقاطعة أفيلا غرب مدريد، إن “ساعات صعبة تنتظرنا”، داعيًا إلى وضع “اتفاق عام واسع بشأن حالة الطوارئ المناخية”.
أما ملك إسبانيا فيليبي السادس، فقال خلال زيارة إلى مركز طوارئ قرب مدريد إن الحرائق تسببت بأضرار “لا يمكن احتسابها” في التراث الطبيعي للبلاد.
وأتت الحرائق في إسبانيا حتى الآن على نحو 77 ألف دونم، فيما قالت وزيرة التحول البيئي سارة أغاسن إن الحريق في منطقة أفيلا يُعد الأكبر في تاريخ البلاد خلال الفترة الأخيرة.
وفي منطقة مدريد، أُجلي سكان من بلدات إضافية بعد تمدد النيران، وسط مخاوف النازحين من حجم الأضرار التي قد يجدونها في منازلهم عند عودتهم.
وقالت إحدى النساء اللواتي أُجلين لوسائل الإعلام إن الشوارع كانت خالية، وإن منزلها كان مغطى بالرماد عندما عادت لفترة قصيرة من أجل أخذ أدويتها.
وتندلع الحرائق في فرنسا وإسبانيا في وقت تواجه فيه أوروبا موجة حر قوية وظروف جفاف قاسية، ما يزيد من سرعة انتشار النيران ويعقّد عمليات مكافحتها.
وحذر رئيس الوزراء الإسباني من أن بلاده وشبه الجزيرة الإيبيرية بأكملها تواجهان بصورة مباشرة تداعيات أزمة المناخ، التي تشمل حرائق وعواصف وظواهر جوية متطرفة أخرى.
كما قال ملك إسبانيا إن حجم الخسائر التي لحقت بالمناطق الطبيعية لا يمكن تقديره، فيما أكدت السلطات في البلدين أن الجهود مستمرة لاحتواء الحرائق ومنع تمددها إلى مناطق جديدة.
وبينما تتجه درجات الحرارة إلى تسجيل ارتفاع إضافي، تتزايد المخاوف من أن تتحول معركة إخماد النيران إلى مواجهة أكثر صعوبة، فيما تقف بوردو ومدن أخرى أمام سباق مفتوح بين تقدم الحرائق وقدرة السلطات على وقفها.
