في ظل مؤشرات إسرائيلية على اقتراب مواجهة مباشرة جديدة مع إيران، تتصاعد داخل إسرائيل دعوات إلى التخلي عن سياسة الجولات العسكرية المحدودة والهدن المرحلية، والانتقال إلى حرب مركّزة تستهدف تفكيك البرنامج النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية وقدرات القيادة التابعة للحرس الثوري، بعيدًا من الرهانات الدبلوماسية أو التعويل على انهيار النظام من الداخل.
وبحسب مقال رأي للكاتب دافيد بورتال، نشره موقع “ماكو” الإسرائيلي، فإن العناوين المتصاعدة، وتراكم المعلومات الاستخبارية، ورفع مستوى التأهب داخل الجيش الإسرائيلي، إلى جانب الاستعدادات المشتركة مع الولايات المتحدة، تشير إلى أن إسرائيل تقف مجددًا على أعتاب مواجهة مباشرة وشاملة مع إيران.
ورأى بورتال أن المواجهة قد تبدأ خلال أيام قليلة، أو تتأخر بعض الوقت، لكن مسار الأحداث، وفق تقديره، بات يسير في اتجاه تصعيد لا يمكن تجاهله، معتبرًا أن ما وصفه بـ”الساعة التنازلية” بدأ بالفعل.
وقال إن تحقيق الحسم في مواجهة ما سمّاه “أخطبوط التهديد الإيراني” يجب أن يكون بعيدًا من التفسيرات الدبلوماسية، موضحًا أن الحسم، من وجهة نظره، لا يحمل سوى معنى واحد: التفكيك الكامل للبرنامج النووي، وتدمير منظومة الصواريخ الباليستية، والقضاء على قدرة الحرس الثوري على القيادة والسيطرة.
وأضاف أن إسرائيل لا تستطيع التعامل مع إيران بصورة تدريجية، ولا يمكنها الاكتفاء بجولة عسكرية جديدة تستمر أيامًا، وتكون صاخبة إعلاميًا ومحدودة النتائج، قبل أن تنتهي بفتح نافذة أمام مفاوضات غير مثمرة في فيينا أو في أي عاصمة أوروبية أخرى.
وأشار إلى أن الإيرانيين يعتمدون، في الدبلوماسية، أسلوبًا يقوم على إطالة المفاوضات وجرّها، وتقديم أنصاف المقترحات، ثم الانسحاب والعودة عندما تصبح الظروف أكثر ملاءمة لهم، معتبرًا أن كل هدنة أو وقف لإطلاق النار يأتي قبل استكمال المهمة العسكرية يتحول إلى جولة تفاوض جديدة تستفيد منها طهران.
وانطلاقًا من ذلك، رأى الكاتب أن المواجهة المقبلة لا يمكن أن تكون متدرجة، بل يجب أن تبدأ بضربة مركزة ودقيقة وقاتلة ضد أهداف عسكرية واستراتيجية، وبقوة لا تمنح إيران وقتًا لإعادة ترتيب أوراقها أو استئناف المساومة.
ولفت إلى أن أحد أبسط مبادئ الحرب يقوم على حشد أكبر قدر ممكن من القوة خلال أقصر فترة زمنية، وتوجيهها ضد الأهداف التي تحدد النتيجة الفعلية للمعركة، وفي مقدمها منشآت تخصيب اليورانيوم، ومنظومات إطلاق الصواريخ، ومراكز القيادة والسيطرة، ومستودعات الأسلحة الاستراتيجية.
وشدد على أن المطلوب ليس ضرب رموز أو إطلاق تصريحات أمام شاشات التلفزة، بل استهداف البنية التحتية التي تمنح إيران، وفق تعبيره، قدرة على توجيه ضربة وجودية إلى إسرائيل، معتبرًا أن بقاء هذه القدرات قائمة يعني أن إسرائيل لم تنتصر، حتى لو بدا للمحللين في الاستديوهات أن الحرب أصبحت شبه محسومة.
وفي موازاة ذلك، دعا بورتال إلى التخلي عن رهان آخر يقوم على الاعتقاد بأن غالبية الشعب الإيراني تنتظر الفرصة المناسبة لإسقاط النظام، وأن ممارسة قدر محدود من الضغط قد تكون كافية لإشعال تحرك داخلي واسع.
وقال إن هذا الاحتمال قد يكون صحيحًا أو خاطئًا، لكنه لا يشكل استراتيجية يمكن بناء حرب عليها، لأن الاستراتيجية، وفق رأيه، يجب أن تستند إلى قدرات مثبتة على الأرض، لا إلى آمال يجري الترويج لها في البرامج التلفزيونية.
وأضاف أنه في حال اندلاع الحرب، يجب أن تتركز المهمة الإسرائيلية على تفكيك منظومة التهديد، بدل إدارة حملة إعلامية بشأن ما قد يحدث في طهران بعد انتهاء العمليات وانقشاع الغبار.
وتطرق الكاتب إلى موقف المجتمع الدولي، متوقعًا أن تبدأ الدعوات إلى ضبط النفس والتناسب فور شعور إيران بثقل الضربات، وكأن من الممكن، بحسب تعبيره، إدارة حرب وجود باستخدام مسطرة وأداة لقياس الزوايا.
ورأى أن الدول التي ستطالب إسرائيل بوقف القتال لن تتحمل ثمن إنهاء الحرب قبل إزالة التهديد، بل ستدير الأزمة من بُعد، بين اجتماع صباحي وآخر ظهراً، فيما ستبقى إسرائيل في مواجهة الصاروخ التالي الذي قد يُطلق نحوها.
واعتبر أن الضغوط الدولية كانت عنصرًا ثابتًا في كل الحروب التي خاضتها إسرائيل، لكنها لا يجب أن تتحول، من وجهة نظره، إلى سبب لوقف أي عملية عسكرية في منتصفها.
وأشار بورتال إلى أن استخدام قوة مركزة وحاسمة بهذا الحجم قد يدفع إيران نحو واحد من احتمالين: إما أن يدرك النظام أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى فقدانه الكامل لقدراته على البقاء، فيختار التوقف، وإما أن يواصل القتال، فتستمر العمليات العسكرية إلى حين إزالة التهديد.
ورأى أن الاحتمالين يحافظان على أمن إسرائيل، في حين أن أي نتيجة ثالثة، تقوم على وقف تكتيكي للقتال من أجل العودة إلى المفاوضات من دون تفكيك التهديد، لا يمكن اعتبارها انتصارًا، بل مجرد هدنة سيستغلها الخصم للعودة بصورة أقوى وأكثر غضبًا.
وخلص الكاتب إلى أن المواجهة مع إيران ليست، في نظره، حرب اختيار بل حرب وجود، وأن هذا النوع من الحروب لا يمكن أن ينتهي بنتيجة قابلة للاستمرار إلا عبر حسم التهديد، لا الاكتفاء بإدارته.
وحذّر من الاعتقاد بإمكان الخروج من الجولة المقبلة عبر هدنة تحفظ ماء الوجه، معتبرًا أن إسرائيل ستدفع ثمن هذا الخيار في جولة جديدة، وأن لحظة اتخاذ القرار هي الآن، قبل أن يحدد الخصم توقيت المواجهة المقبلة، داعيًا إلى وقف الحديث بمنطق “تأجيل النهاية” والانتقال إلى مفاهيم عسكرية حقيقية تقوم على الحسم لا الاحتواء.
