تحولت جولة السفير الأميركي لدى إيطاليا، الملياردير تيلمان فيرتيتا، على متن يخته الفاخر البالغة قيمته 450 مليون دولار، إلى أزمة سياسية داخل إيطاليا، بعدما أثارت تكاليف الإجراءات الأمنية المرافقة للرحلة انتقادات حادة، وسط اتهامات باستخدام “الدبلوماسية” كغطاء لرحلة ترفيهية على نفقة الدولة الإيطالية.
وبحسب تقرير للصحافية آيمي كازمين في صحيفة “فايننشال تايمز”، أثارت الجولة الدبلوماسية التي تستمر شهرين على متن يخت “بوردووك”، الذي يبلغ طوله 117 مترًا، جدلًا واسعًا في إيطاليا، إذ يجوب أكثر من 13 مدينة ساحلية، بينها باليرمو والبندقية وجنوى وترييستي، احتفالًا بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، ولتأكيد متانة العلاقات الأميركية – الإيطالية.
ويستضيف فيرتيتا، الذي يملك فريق هيوستن روكتس لكرة السلة، وكازينوهات “غولدن ناغت” وسلسلة مطاعم “لاندريز”، سياسيين ورجال أعمال وشخصيات عسكرية على متن اليخت الفاخر، الذي يضم مسبحًا وملعب “ميني غولف” ومهابط للطوافات.
وقبل انطلاق الرحلة الشهر الماضي، أعلنت السفارة الأميركية في روما أن فيرتيتا، الذي هاجر أجداده من بلدة تشيفالو في صقلية إلى الولايات المتحدة، سيتحمل شخصيًا كامل كلفة رحلة اليخت، معتبرة أن الجولة ستتيح له “التواصل شخصيًا مع الإيطاليين على امتداد الساحل الإيطالي”.
إلا أن التقرير يشير إلى أن الرحلة تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توترًا، بعدما شن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجمات كلامية على رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي كانت تُعد من أبرز حلفائه.
ورغم تأكيد السفارة الأميركية أن فيرتيتا يتحمل نفقات الجولة، فإن موجة الانتقادات في إيطاليا لم تتركز على اليخت نفسه، بل على العملية الأمنية الضخمة التي ترافقه، والتي تشمل دوريات بحرية ومروحيات تابعة لخفر السواحل والشرطة المالية وسلطات الموانئ لتأمين حمايته خلال تنقله.
وأثارت النائبة لوانا زانيلا، عن تحالف “الخضر واليسار”، القضية داخل البرلمان الإيطالي، ووصفت الجولة على متن “اليخت العملاق والفائق الفخامة” بأنها ليست أكثر من “عطلة دبلوماسية” تتحمل الدولة الإيطالية تكلفتها، مضيفة: “هذا الاستعراض للثراء ليس في محله”.
من جهته، رفض نائب وزير الأعمال والصناعة فالنتينو فالنتيني الكشف عن كلفة الإجراءات الأمنية، لكنه أوضح أن إيطاليا ملزمة، بموجب اتفاقية فيينا، بتوفير الأمن والحرية والكرامة لجميع السفراء الأجانب، بما في ذلك تأمين “حراسة خاصة” عند الضرورة.
وأضاف أن فيرتيتا صُنّف كشخصية معرضة لمخاطر أمنية مرتفعة، ما يمنحه “حماية استثنائية من المستوى الأول” بصورة دائمة، كما أن اليخت نفسه يستحق الحماية لأنه يشكل مقر إقامته المؤقت ووسيلة تنقله ومكان اجتماعاته الرسمية.
ولم يصدر أي تعليق من فيرتيتا أو السفارة الأميركية في روما بشأن الانتقادات، فيما اكتفى مسؤول في السفارة بالقول: “نحن ممتنون للدعم والتعاون المستمرين من السلطات الإيطالية خلال الجولة الدبلوماسية للسفير”.
ومن المتوقع أن يصل اليخت إلى مدينة البندقية، حيث يستعد عدد من السكان لتنظيم احتجاجات ضده.
وقالت الباحثة والناشطة ستيلا فاي، التي تشارك في تنظيم التحركات الاحتجاجية: “إنها طريقة غريبة جدًا لممارسة الدبلوماسية”، معتبرة أنها “تجسد النموذج السياسي الذي يحاول ترامب بناؤه عبر دمج السلطة السياسية بالقوة الاقتصادية”.
في المقابل، نقلت الصحيفة عن مسؤول في وزارة الخارجية الإيطالية قوله إن الجولة تحولت إلى “رحلة صداقة ومرح”، وساهمت في إعادة تأكيد حسن نية السفير تجاه إيطاليا بعد مرحلة مضطربة في العلاقات الثنائية.
كما أكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني لـ”فايننشال تايمز” أن فيرتيتا يؤدي دورًا مهمًا كحلقة وصل بين حكومة جورجيا ميلوني وإدارة ترامب، ويتعامل مع الهواجس الإيطالية “بنشاط وحساسية، والأهم بإيجابية مستمرة”.
وتكشف هذه القضية كيف يمكن للدبلوماسية، عندما تمتزج بالثروة والنفوذ، أن تتحول من أداة لتعزيز العلاقات بين الدول إلى مصدر جدل سياسي داخلي لا يقل صخبًا عن الملفات الدولية نفسها.
