يواجه حزب الليكود أزمة داخلية عميقة تتجاوز تراجع صورته أمام الناخبين، إذ بات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرك، وفق تقديرات داخلية، أن قائمته الحالية تحتاج إلى تغيير جذري قبل الانتخابات، في وقت يصطدم فيه هذا المسعى بحقيقة أن الحزب تخلّص على مدى سنوات من عدد كبير من شخصياته الأكثر كفاءة، وترك الساحة لسياسيين يتمسكون بمناصبهم أكثر من تمسكهم بالأفكار.
وفي مقال نشره في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، قدّم الصحافي حاييم إتغار قراءة شديدة اللهجة في واقع الليكود، معتبرًا أن انقلاب عام 1977 اكتمل بالفعل، ولكن بصورة معكوسة، بعدما حلّ «أمراء الوظائف» مكان «أمراء الحركة».
واستهل إتغار مقاله بالقول إنه لو عاد مؤسس الحركة التصحيحية زئيف جابوتنسكي إلى الحياة وتجول اليوم في أروقة الكنيست، لما توجه على الأرجح إلى مقر «ميتسودات زئيف»، بل لذهب لفتح «دفتر أحمر، أو بالأحرى أزرق»، في إشارة ساخرة إلى تحول الليكود إلى نسخة من المنظومة الحزبية التي حاربها تاريخيًا.
وأضاف أن أعضاء الليكود كانوا في الماضي يقاتلون امتيازات حزب «مباي»، لكنهم اليوم نسخوا الأسلوب نفسه، مع تحسين المظهر عبر ارتداء بدلات أكثر كلفة، واستبدال صحيفة «دافار» بمنصة «تيك توك».
وبحسب تعبيره، بقيت المحسوبيات نفسها والانفصال نفسه عن الناس، لكن مع عدد أكبر بكثير من المؤثرات البصرية والفلاتر.
وأشار إتغار إلى أن نتنياهو بدأ، بحسب التقارير، يدرك ما بات واضحًا لكل من يحاول العيش داخل إسرائيل منذ أشهر، وهو أن قائمة الليكود، ما لم تخضع لـ«ترقية عاجلة»، ستدخل سباقًا يبدو أصلًا كأنه مهمة مستحيلة، وستكون مرشحة لفشل مدوٍّ.
ورأى أن الجمهور سئم ما وصفه بـ«الجنون» والفوضى والإهانة المستمرة المحيطة بملف تجنيد الحريديم، كما تعب من السباق المهين لإرضاء الأحزاب الحريدية، في وقت يخدم فيه أبناء الطبقة الوسطى في قوات الاحتياط، ويدفعون الضرائب، ويشعرون بأنهم «أكبر المغفلين في الغرفة».
وأضاف أن الإسرائيليين أُنهكوا من تحويل منصة الكنيست إلى حلبة ملاكمة كلامية، ومن الاحتماء بالحصانات، ومن وزراء يبدو في أحيان كثيرة أن مستوى فهمهم للوزارات التي يديرونها «يقترب من الصفر المطلق».
واتهم الكاتب عددًا كبيرًا من المنتخبين بتحويل مهمتهم من إنتاج حلول فعلية على الأرض إلى إنتاج الحلقات التلفزيونية والبثوث المباشرة عبر «فيسبوك»، معتبرًا أن الجمهور لم يعد قادرًا على تقبّل الإهانة والتنصل من المسؤولية المرتبطين بأحداث 7 تشرين الأول.
وتساءل إتغار عمّا إذا كان الإسرائيليون لا يريدون سوى أن يعيشوا حياة عادية، من دون غلاء معيشة «يخنق الحناجر»، ومن دون ازدحام مروري حوّل الدولة إلى «موقف سيارات وطني»، ومن دون نظام تعليمي غارق في أزمة عميقة ومستمرة.
وأضاف أن الناس سئموا نشوة القوة التي لا تنتهي، والتصريحات الضخمة عن قطع رؤوس أعداء يرفضون، على حد سخريته، التعاون مع الشعارات الإسرائيلية، كما سئموا توزيع الوظائف على المقرّبين وصناعة الكراهية التي تُدار باحتراف سياسي.
واعتبر أن الذروة تتمثل في أن الجهات المفترض بها ملاحقة أعداء إسرائيل الحقيقيين أو تفكيك عائلات الجريمة التي تنشط في الشوارع، تنشغل بملاحقة الإعلاميين وأفراد مجتمع الميم، وكأن المشكلة الأكثر إلحاحًا ليست حرية حركة المنظمات الإجرامية، بل حرية التعبير.
ورأى إتغار أن نجوم مواقع التواصل والمؤثرين والضجيج داخل الاستديوهات لن ينفعوا هذه المرة، لأن الجمهور أصيب بما يشبه «الدوار» نتيجة الفوضى.
وبحسبه، فإن التقارير التي تتحدث عن بحث نتنياهو عن «تطوير كبير» لقائمة الليكود لا تعكس نزوة سياسية، بل تمثل حبل النجاة الأخير للحزب.
وحذّر من أن الليكود، من دون «تنظيف شامل للإسطبلات»، وإبعاد حالة الجنون، واستقدام شخصيات تستطيع قراءة موازنة الدولة بدل الاكتفاء بالصراخ على منصة «إكس»، سيتجه مباشرة إلى الاصطدام بـ«جدار إسمنتي» في صناديق الاقتراع.
لكن الكاتب طرح في المقابل سؤالًا أساسيًا: من هي الشخصيات التي يمكنها الانضمام إلى الحزب؟
ولفت إلى أن الرؤوس قُطعت داخل مقر «ميتسودات زئيف» بصورة منهجية على مدى سنوات، إلى درجة أن كثيرًا من أصحاب الكفاءة غادروا من تلقاء أنفسهم بعدما سئموا ما تحولت إليه الحركة، فيما أُرغم من لم يغادر على الخروج، غالبًا بأقل قدر من الأناقة وأكبر قدر من الإهانة.
وشدد على أنه لا يمكن إدارة دولة ديمقراطية بصورة فردية، مهما بلغت كفاءة الشخص الموجود في قمة الهرم، لأن الحكم يتطلب اتخاذ عدد لا يُحصى من القرارات وإدارة قطاعات ومؤسسات متعددة.
وخلص إلى أن السلطة هي في النهاية مجموعة من الأشخاص، وأن المجموعة الحالية داخل الليكود «ليست جيدة بما يكفي».
وأضاف أنه في حال قرر بعض الأسماء التي نشرها الصحافي بن كسبيت في «معاريف» قبول التحدي والانضمام إلى القائمة، فمن المرجح أن تتحرك أرقام استطلاعات الرأي لمصلحة نتنياهو بصورة شبه فورية.
إلا أنه أكد أن المهمة لن تكون سهلة، لأن الشخصيات الحالية المدمنة على الإعجابات والصراخ لن تتخلى بسرعة عن «قدر اللحم».
ورأى أن هؤلاء يعرفون جيدًا أنهم، خارج السلطة وفي «هواء الواقع البارد»، سيعودون سريعًا إلى حجمهم الطبيعي، كمحامين صغار أو موظفين بلديين منسيين، وربما أقل من ذلك.
وبحسب إتغار، لا يخوض هؤلاء معركتهم دفاعًا عن أيديولوجيا، بل يقاتلون من أجل «ترتيب وظيفة».
وأشار إلى أن الجمهور الإسرائيلي يحمل غضبًا هائلًا تجاه الشخصيات التي فشلت، وتجاه الذين قادوا البلاد إلى الكراهية والإخفاقات، وبصورة خاصة إلى كارثة 7 تشرين الأول.
وختم إتغار بالقول إن نتنياهو قد يكون أدرك أنه يحتاج إلى تطوير قائمته، لكنه، من أجل البقاء في السلطة، سيكون مطالبًا أولًا بالتغلب على المجموعة التي تحتجز مكتبه السياسي رهينة.
وبحسب الكاتب، فإن تحقيق ذلك يبدو، عند النظر إلى الواقع داخل الليكود، «مهمة مستحيلة فعلًا»، ما يضع نتنياهو أمام معادلة قاسية: تجديد الحزب على حساب رجاله الحاليين، أو التوجه معهم نحو جدار انتخابي يدرك هو نفسه أنه يقترب.
