وجد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه أمام واحدة من أشدّ موجات الاحتجاج منذ اندلاع الحرب مع روسيا، بعدما أثارت إقالته وزير الدفاع الشعبي ميخايلو فيدوروف غضبًا واسعًا في الشارع، وانقسامًا داخل حزبه، واستقالة مسؤول بارز في سلاح الجو، في وقت كانت فيه أوكرانيا تسجّل نجاحات أمنية وعسكرية غير مسبوقة.

وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في القناة “N12” الإسرائيلي، خرجت حشود كبيرة إلى شوارع كييف احتجاجًا على إقالة فيدوروف، فيما أعلن موقع إعلامي بارز مقرّب من زيلينسكي وقف منشوراته للسماح لموظفيه بالمشاركة في التحركات.

وفي تطور لافت، أعلن نائب قائد سلاح الجو الأوكراني استقالته اعتراضًا على القرار، وسط تقارير تتحدث عن توتر بين فيدوروف وكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية، على خلفية إصلاحات استهدفت مكافحة الفساد داخل وزارة الدفاع.

وأمام اتساع موجة الاعتراض، بدأ زيلينسكي إجراء مشاورات مكثفة مع مستشاريه بشأن إمكان التراجع عن القرار والإبقاء على فيدوروف في منصبه.

ويواجه الرئيس الأوكراني انتقادات استثنائية عقب قراره إقالة وزير الدفاع ضمن تغييرات واسعة في الحكومة، إذ فجّرت الخطوة احتجاجًا شعبيًا، وأثارت معارضة داخل حزب السلطة، وأدّت إلى استقالة مسؤول عسكري كبير.

وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن ما تشهده أوكرانيا يُعدّ من أكثر التحركات الاحتجاجية حدة ضد زيلينسكي منذ بدء الهجوم الروسي عام 2022، كما كشف الأزمة عن خلافات نادرة داخل الغالبية البرلمانية المؤيدة للرئيس، والتي دعمت خلال الحرب قراراته وصادقت عادة على التعيينات الحكومية من دون اعتراض فعلي.

وتتركز العاصفة حول إقالة فيدوروف، المعروف بلقب “وزير التكنولوجيا المتطورة”، والذي حظي بتقدير واسع بسبب التغييرات التي قادها داخل وزارة الدفاع.

ويُنسب إلى فيدوروف أنه سرّع شراء الأسلحة، ووسّع إنتاج الطائرات المسيّرة، ودفع باتجاه تنفيذ إصلاحات في وزارة وُصفت لسنوات بأنها مترهلة وغير فعّالة.

ويُعدّ الاستخدام الواسع للطائرات المسيّرة، التي أُنتجت بكميات كبيرة، أحد العوامل التي ساعدت أوكرانيا خلال الأشهر الماضية على وقف تقدم الجيش الروسي، رغم تفوقه في العديد والموارد.

وتمكن فيدوروف، بحسب التقرير، من إيصال أوكرانيا إلى أفضل وضع عسكري وأمني بلغته منذ بداية الحرب، مع تحقيق إنجازات دراماتيكية على الجبهة وفي الهجمات التي استهدفت العمق الروسي.

وتجمع آلاف المحتجين أمام مكتب الرئيس في كييف، رافعين لافتات تطالب بإبقاء فيدوروف في منصبه، فيما ردّدوا هتافات من بينها: “فيدوروف”، و”لسنا مغفلين”، و”عار”.

وسُجّل احتجاج غير مسبوق أيضًا داخل مؤسسة “يونايتد 24 ميديا”، التي تُعدّ مقربة جدًا من زيلينسكي، إذ أعلنت وقف جميع أعمالها ومنشوراتها، لإتاحة المجال أمام موظفيها للمشاركة في التحركات.

وامتد الاعتراض إلى المؤسسة العسكرية، حيث أعلن بافلو يليزاروف، قائد إحدى وحدات الطائرات المسيّرة المعروفة والذي شغل منصب نائب قائد سلاح الجو، استقالته احتجاجًا على القرار.

وقال يليزاروف إن إقالة فيدوروف ستُحدث “ضررًا كبيرًا بقدرة الدولة على الدفاع عن نفسها”.

وفي موازاة ذلك، أعلن عدد من أعضاء البرلمان المنتمين إلى حزب زيلينسكي “خادم الشعب” أنهم قد يعارضون المرشح الذي يسعى الرئيس إلى تعيينه بدلًا من فيدوروف في الحكومة.

وبحسب بعض التقديرات، جاءت إقالة فيدوروف على خلفية تقارير تتحدث عن سوء علاقته بكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية، وفي مقدمهم قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي.

ويُنسب إلى فيدوروف تنفيذ إصلاحات واسعة داخل وزارة الدفاع بهدف الحد من الفساد والصفقات المشبوهة، ما يرجّح أن تكون هذه الإجراءات قد أضرّت بمصالح عدد من المسؤولين النافذين.

وأقرّ فيدوروف، في حديث إلى الصحافيين اليوم، بأنه أُقيل بسبب خلافه مع قائد الجيش أولكسندر سيرسكي، موضحًا أنه اقترح على زيلينسكي إقالة سيرسكي، لكن الرئيس الأوكراني رفض.

وأضاف أن سيرسكي وضع، نتيجة ذلك، إنذارًا أمام زيلينسكي يقضي بإقالة فيدوروف، فيما بدأت منذ ساعات الصباح تتصاعد دعوات تطالب بإقالة قائد الجيش بدلًا من وزير الدفاع.

وتأتي هذه الخطوة ضمن تعديل واسع في تركيبة الحكومة، بعدما أقال زيلينسكي هذا الأسبوع أيضًا رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو، التي شغلت منصبها لمدة عام واحد فقط.

وبعد استقالتها، قدمت الحكومة بأكملها استقالتها، فيما يُتوقع أن ينتخب البرلمان رئيسًا جديدًا للحكومة.

وأعلن زيلينسكي دعمه لتعيين الرئيس التنفيذي لشركة الطاقة الحكومية “نافتوغاز” سيرغي كوريتسكي رئيسًا للوزراء، موضحًا أن السبب الرئيسي وراء اختياره هو ضرورة الاستعداد لفصل الشتاء المقبل، في ظل استمرار الحرب مع روسيا.

ولم يقدم الرئيس الأوكراني تفسيرًا تفصيليًا لاستبدال الوزراء، مكتفيًا بالقول إن الهدف من الخطوة هو تجديد قيادة الدولة.

ونقلت “فايننشال تايمز” عن نواب التقوا زيلينسكي قولهم إن وزير الداخلية إيهور كليمنكو يُتوقع أن يتولى منصب وزير الدفاع الجديد، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيُعرض على فيدوروف منصب آخر داخل الحكومة.

وأفادت الصحيفة بأن زيلينسكي بدأ منذ ساعات الصباح مناقشات مكثفة مع مستشاريه المقربين بشأن إمكان الإبقاء على فيدوروف في منصبه، تحت ضغط الاحتجاجات غير المسبوقة التي تتسع تدريجيًا.

وأثارت الإقالة انتقادات أيضًا من نواب وشخصيات عامة، إذ عبّر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان أولكسندر ميريجكو عن خيبة أمله، مشيرًا إلى أن فيدوروف يحظى بتقدير كبير من شركاء أوكرانيا الدوليين، وأن اسمه ارتبط بالأمل في إجراء إصلاحات حقيقية داخل وزارة الدفاع.

كما هاجمت ماريا برلينسكا، وهي شخصية أوكرانية معروفة في مجال الحرب بالطائرات المسيّرة، القرار ووصفته بأنه “إحدى أكبر الأخطاء التي ارتكبها الرئيس زيلينسكي”، محذرة من أن ثمن هذه الخطوة قد يكون باهظًا جدًا.

من جهته، نشر فيدوروف بيانًا عبر تطبيق “تلغرام”، قال فيه إن خدمة أوكرانيا كانت “شرفًا عظيمًا”، مستعرضًا إنجازات ولايته، ومن بينها زيادة الاستثمارات في قطاع الطائرات المسيّرة وتغيير منظومة شراء الأسلحة.

وأشار إلى أن من بين المهام التي لم تُستكمل بعد مواءمة وزارة الدفاع مع معايير حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

ويرى مؤيدو فيدوروف أن محاولاته إصلاح نظام المشتريات العسكرية أضرّت بمصالح جهات نافذة داخل المؤسسة، فيما تعرّض في المقابل لانتقادات من بعض النواب بسبب عدم نجاحه في تسريع الإصلاحات المتعلقة بالتجنيد بالوتيرة المطلوبة.

وقبل تعيينه وزيرًا للدفاع، شغل فيدوروف منصب أول وزير للتحول الرقمي في أوكرانيا، وقاد خلال توليه المنصب مشروع تجميع الخدمات الحكومية ضمن تطبيق رقمي يُستخدم اليوم على نطاق واسع في البلاد.

وبين الاحتجاجات في الشارع، والاعتراض داخل حزب السلطة، والانقسام في المؤسسة العسكرية، تحوّلت إقالة فيدوروف من تعديل حكومي إلى اختبار سياسي وأمني مباشر لزيلينسكي، في لحظة تبدو فيها خسارة أحد أبرز مهندسي التفوق العسكري مخاطرة قد تتجاوز حدود الحكومة إلى مسار الحرب نفسها.

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *