بقلم يعقوب محمد نصرالله

منذ أكثر من قرن، و”الضمير العربي” يتعرض لاختبارات التاريخ، ويسقط فيها المرة تلو الأخرى، حتى صار جثة بلا روح، تُحمل على أكتاف الشعارات الفارغة وتُدفن في مقابر النسيان. ليس السؤال اليوم: كيف نحييه؟ بل: هل تجوز عليه الرحمة؟

من الخيانة الكبرى إلى ولادة الكارثة

بدأت النهاية حين انقلب العرب على السلطنة العثمانية، آخر مظلة جامعة للأمة الإسلامية، وتحالفوا مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى. الشريف حسين وأولاده في الحجاز فتحوا أبواب الثورة العربية الكبرى، ليس لتحرير الأرض، بل لتمهيد الطريق أمام سايكس-بيكو، التي مزقت الأمة إلى دويلات مرسومة بالمسطرة، وتحت الانتداب الغربي.

تاريخ الانقسامات… مؤتمرات الخيانة

من مؤتمر القاهرة 1921، حيث زرعت بريطانيا نواة الكيانات التابعة، إلى مؤتمر الخرطوم 1967 الذي رفع “لاءات” ثلاث في العلن، بينما في الكواليس بدأ بعض الحكام العرب مسار الاتصال السري مع إسرائيل. كل مؤتمر عربي تقريباً كان مسرحاً لخطابات حماسية أمام الكاميرات، وخطط تآمرية وراء الأبواب المغلقة.

الأنظمة والحكام: أوطان للبيع

أم الدنيا مصر، من توقيع أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد 1978، التي شرعنت وجود إسرائيل، إلى استمرار نظام عبد الفتاح السيسي في حصار غزة وفتح بوابات الموت من الجوع على أهلها.
نشامى الأردن، كانوا من أوائل من أقاموا علاقات رسمية مع إسرائيل عبر وادي عربة 1994، والملك عبد الله الثاني اليوم يحافظ على العلاقة الأمنية والاقتصادية معها.

أطهر أرض السعودية: من مبادرة الملك فهد 1981 التي مهدت للتطبيع، إلى الانفتاح العلني في عهد محمد بن سلمان، الذي يسعى لعقد اتفاق سلام شامل مع إسرائيل تحت مظلة أمريكية.

الإمارات والبحرين والمغرب: تطبيع كامل مع تل أبيب، وتبادل سفراء، واستثمارات مشتركة، بل والتعاون في الأمن والتكنولوجيا.. وأشياء أخرى يندى لها الجبين.

قطر و ال “سكوب” الاعلاني: رغم ادعاء دعم المقاومة، فتحت أبوابها للقواعد الأمريكية، وحولت الملف الفلسطيني إلى ورقة تفاوض بين القوى الكبرى واستغلت القضية الفلسطينية وحولتها مادة اعلامية واعلانية تستفيد منها للظهور كدولة فاعلة في المنطقة.

سوريا الشعارات الفارغة: حافظ الأسد ضيع الجولان منذ 1967، وثبّت الاحتلال عبر مفاوضات عبثية، وبشار الأسد غرق في حرب أهلية سمحت لإسرائيل بضرب أراضيه بلا رد الى ان ظهرت معالم تقسيمية جديدة تلوح في أفق رؤسائها الساعون للسلام مع اسرائيل.

فساد لبنان: السلطة غارقة في فسادها، رهنت البلد لصراعات إقليمية، وسمحت بانقسام القرار السيادي بين محور إيران والمحور الغربي، فضاعت الهوية اللبنانية وأصبحت العمالة فيه وجهة نظر.

العراق أهل الشقاق: من التحالف مع الغرب لضرب إيران في الثمانينات، إلى فتح الأبواب أمام الغزو الأمريكي 2003، ثم الارتهان للنفوذ الإيراني والأمريكي معاً، هدم أهل العراق استقرارهم واستقرار العرب معهم.

دول شمال أفريقيا (الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا): ترفع شعار القضية الفلسطينية في الإعلام، بينما تغرق في صراعاتها الداخلية وتقدم المصالح الاقتصادية على أي التزام فعلي بالقضية.

التخلي عن فلسطين وغزة… الجريمة الأخيرة

منذ 1948، كان الحكام العرب شركاء في هزيمة فلسطين، إما عبر الجيوش التي أرسلت بلا سلاح ولا إرادة للنصر، أو عبر المفاوضات التي سلّمت ما تبقى من الأرض. واليوم، أمام المجازر في غزة، يقف معظمهم متفرجاً، أو مشاركاً في الحصار، أو متذرعاً بالسيادة والمصالح الوطنية.

الشعوب… شراكة في الصمت

ليست الأنظمة وحدها من خانت. الشعوب العربية، بالصمت أو بالتبرير أو بالانشغال باللهاث وراء لقمة العيش، شاركت في قتل الضمير. ملايين يخرجون للتشجيع في مباريات كرة القدم، لكنهم لا يملؤون الشوارع لنصرة إخوانهم في فلسطين.. ويتكالبون لشراء “اسد” و”دجاجة” و”دبدوب” على ال “تيك توك” بأموال حقيقية وارسالها لمتعرية حمقاء، او لتافه منحل، ويتناسون المجاعة التي قتلت وتقتل الآلاف من الأمة العربية والإسلامية في غزة والسودان.

الضمير العربي… جثة بلا صلاة

حين يتحول الكذب إلى سياسة، والخيانة إلى دبلوماسية، والصمت إلى ثقافة، يصبح الضمير العربي ميتاً. والقاعدة الشرعية تقول: “الميت لا يُرحم على موته إلا إن كان له دين”، والضمير العربي لا دين له، لأنه باع الدين والأرض والدم والشرف.

لا تجوز الرحمة على الضمير العربي، فهو لم يمت اليوم… بل مات منذ أن انحنى أول حاكم عربي أمام عدو الأمة، ودفنه أول شعب عربي بصمته.

يتبع

Share Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *